الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٣٦ - مهاجاته جريرا في حضرة عبد الملك و قصة أبي سواج
جاور بني يربوع، و كانت له فرس يقال لها بذوة [١]، و كان لصرد بن جمرة اليربوعيّ فرس يقال لها القضيب، فتراهنا عشرين بعشرين، فسبقت بذوة فظلمه ابن جمرة حقّه و منعه سبقه [٢]، و جعل يفجر بامرأته. ثم إنّ أبا سواج ذهب إلى البحرين يمتار؛ فلما أقبل راجعا، و كان رجلا شديدا معجبا بنفسه، جعل يقول و هو يحدو:
يا ليت شعري هل بغت من بعدي
فسمع قائلا يقول من خلفه:
نعم بمكويّ قفاه جعدي
فعاد إلى قوله فأجابه بمثل ذلك. و قدم إلى منزله فأقام به مدّة، فتغاضب صرد على امرأة أبي سواج و قال: لا أرضى أو تقدّي من است أبي سواج سيرا. فأخبرت/ زوجها بذلك فقام إلى نعجة له فذبحها و قد من باطن أليتيها سيرا فدفعه إليها؛ فجعله/ صرد بن جمرة في نعله، فقال لقومه: إذا أقبلت و فيكم أبو سواج فسلوني من أين أقبلت ففعلوا، فقال: من ذي بليّان [٣] و أريد ذابليّان، و في نعلي شراكان، من است إنسان. فقام أبو سواج: فطرح ثوبه و قال: أنشدكم اللّه! هل ترون بأسا؟ ثم أمر أبو سواج غلامين له راعيين أن يأخذا أمة له فيتراوحاها؛ و دفع إليهما عسّا و قال: لئن قطرت منكما قطرة في غير العسّ لأقتلنّكما. فباتا يتراوحانها و يصبّان ما جاء منهما في العسّ، و أمرهما أن يحلبا عليه فحلبا حتى ملآه؛ ثم قال لامرأته: و اللّه لتسقينّه صرد أو لأقتلنّك: و اختبأ و قال: ابعثي إليه حتى يأتيك ففعلت. و أتاها لعادتها كما كان يأتيها، فرحّبت به و استبطأته ثم قامت إلى العسّ فناولته إيّاه. فلما ذاقه رأى طعما خبيثا و جعل يتمطّق [٤] من اللّبن الذي يشرب و قال: إني أرى لبنكم خاثرا، أحسب إبلكم رعت السّعدان.
فقالت: إنّ هذا من طول مكثه في الإناء، أقسمت عليك إلّا شربته. فلما وقع في بطنه وجد الموت، فخرج إلى أهله و لا يعلم أصحابه بشيء من أمره. فلما جنّ على أبي سواج اللّيل أتى أهله و غلمانه فانصرفوا إلى قومه و خلّف الفرس و كلبه في الدار؛ فجعل الكلب ينبح و الفرس يصهل؛ و ذلك ليظنّ القوم أنّه لم يرتحل. فساروا ليلتهم و الدار ليس فيها غيره و كلبه و فرسه و عسّه. فلما أصبح ركب فرسه و أخذ العسّ فأتى مجلس بني يربوع فقال: جزاكم اللّه من جيران خيرا! فقد أحسنتم الجوار، و فعلتم ما كنتم له أهلا. فقالوا له: يا أبا سواج، ما بدا لك في الانصراف عنّا؟
قال: إنّ صرد بن جمرة لم يكن فيما بيني و بينه محسنا، و قد قلت في ذلك:
/
إنّ المنيّ إذا سرى
في العبد أصبح مسمغدّا [٥]
أ تنال سلمى باطلا
و خلقت يوم خلقت جلدا
صرد بن جمرة هل لقي
ت رثيئة لبنا و عصدا [٦]
[١] كذا في «تجريد الأغاني و شرح القاموس» مادة «سوج» و في الأصول ندوة».
[٢] السبق بفتح الباء الخطى الذي يوضع بين أهل السباق.
[٣] ذو يليان: موضع وراء اليمن، و قال أبو نصر: أقصى الأرض، و قال غيره: ذو بليان من أعمال هجر. كذا في «معجم ما استعجم للبكري» و قد جاء في «معجم البلدان» لياقوت: ذو بليان موضع في قصة أبي سواج الضبيّ.
[٤] يتمطق: يتذوّق.
[٥] كذا في «تجريد الأغاني». و المسمغد: المرتوي من اللبن. و في ب، س «مصمغدا». و في ح: «مسعدا» بالسّين. و في سائر الأصول «مصعدا» بالصاد، و كله تحريف.
[٦] الرثيئة: اللبن الحامض. و العصد: تحريك العصيدة بالمسواط فتنقلب فلا يبقى في الإناء منها شيء إلّا انقلب.