الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٠٠ - صوت من المائة المختارة من رواية علي بن يحيى
تأخّرت عنه حينا حياء. فبعث إليّ معقل بن عيسى، فقال: يقول لك الأمير: قد انقطعت عنّي، و أحسبك استقللت برّي بك، فلا يغضبنك ذلك، فسأزيد فيه حتى ترضى. فقلت: و اللّه ما قطعني إلّا إفراطه في البرّ، و كتبت إليه.
هجرتك لم أهجرك من كفر نعمة
و هل يرتجى نيل الزيادة بالكفر
/ و لكنّني لمّا أتيتك زائرا
فأفرطت في برّي عجزت عن الشكر
فم الآن لا آتيك إلا مسلّما
أزورك في الشهرين يوما أو الشهر
فإن زدتني برّا تزايدت جفوة
و لم تلقني طول الحياة إلى الحشر
فلمّا قرأها معقل استحسنها جدّا و قال: أحسنت و اللّه! أما إنّ الأمير لتعجبه هذه المعاني. فلما أوصلها إلى أبي دلف قال: قاتله اللّه. ما أشعره و أدقّ معانيه! فأعجبته فأجابني لوقته- و كان حسن البديهة حاضر الجواب-:
ألا ربّ ضيف طارق قد بسطته
و آنسته قبل الضّيافة بالبشر
أتاني يرجّيني فما حال دونه
و دون القرى و العرف من نائلي ستري
وجدت له فضلا عليّ بقصده
إليّ و برّا زاد فيه على برّي
فزوّدته مالا يقلّ بقاؤه
و زوّدني مدحا يدوم على الدهر
قال: و بعث إليّ بالأبيات مع وصيف له و بعث معه إليّ بألف دينار؛ فقلت حينئذ:
إنما الدنيا أبو دلف
. الأبيات.
أخبرني عليّ بن سليمان قال أخبرنا المبرّد قال أخبرني إبراهيم بن خلف قال:
بينا أبو دلف يسير مع معقل، و هما إذ ذاك بالعراق، إذ مرّا بقصر، فأشرفت منه جاريتان؛ فقالت إحداهما للأخرى: هذا أبو دلف الذي يقول فيه الشاعر:
إنما الدنيا أبو دلف فقالت الأخرى: أ و هذا! قد و اللّه كنت أحبّ أن أراه منذ سمعت ما قيل فيه. فالتفت أبو دلف إلى معقل فقال: ما أنصفنا عليّ بن جبلة و لا وفيناه حقّه، و إن ذلك لمن كبير همّي. قال: و كان أعطاه ألف دينار.
صوت من المائة المختارة من رواية عليّ بن يحيى
أمّا القطاة فإنّي سوف أنعتها
نعتا يوافق منها بعض ما فيها
سكّاء [١] مخطوبة [٢] في ريشها طرق
صهب قوادمها كدر خوافيها
عروضه من البسيط. و الشعر مختلف في قائله، ينسب إلى أوس بن غلفاء الهجيميّ و إلى/ مزاحم العقيليّ و إلى
[١] السكك: صغر الأذن و لصوقها بالرأس. يقال للقطاة سكاء لأنه لا أذن لها.
[٢] كذا في «نهاية الأرب» (ج ١٠ ص ٢٦٢ طبعة أولى). و المخطوبة: التي على لون الحنظلة إذا أخطبت أي اصفرّت و صارت فيها خطوط خضر. و الطرق في الريش. أن يكون بعضه فوق بعض كأن الأعلى يلبس الأسفل. و الصهبة: لون يضرب إلى الحمرة أو إلى الشقرة. و في الأصول: «مخطوطة بالطاء المهملة.