الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٧٩ - وصف مجلس لها غنت فيه و رقصت و غنى المغنون و رقصوا
أعقابكم لأهل العراق و غيرهم ممّن لا يزال ينكر عليكم ما هو وارثه عنكم، لا ينكره عالمكم و لا يدفعه عابدكم بشهادة شريفكم و وضيعكم يندب إليه كما يندب جموعكم و شرفكم و عزكم [١]. فأكثر ما يكون عند عابدكم فيه الجلوس عنه لا للتحريم له لكن للزهد في الدنيا؛ لأن الغناء من أكبر اللذات و أسرّ النفوس من جميع الشهوات؛ يحيي القلب و يزيد في العقل و يسرّ النفس و يفسح في الرأي و يتيسّر به العسير و تفتح به الجيوش و يذلّل به الجبّارون حتى يمتهنوا أنفسهم عند استماعه، و يبرئ المرضى و من مات قلبه و عقله و بصره، و يزيد أهل الثروة غنى و أهل الفقر قناعة و رضا باستماعه فيعزفون [٢] عن طلب الأموال. من تمسّك به كان عالما و من فارقه كان جاهلا؛ لأنه لا منزلة أرفع و لا شيء أحسن منه؛ فكيف يستصوب تركه و لا يستعان به على النشاط في عبادة ربّنا عزّ و جلّ. و كلام كثير غير هذا ذهب عن [٣] المحدّث به، فما ردّ عليه أحد و لا أنكر ذلك منهم بشر، و كلّ عاد بالخطإ على نفسه و أقرّ بالحق [٤] له. ثم قال لجميلة: أوعيت ما قلت و وقع من نفسك ما ذكرت؟ قالت: أجل و أنا أستغفر اللّه. قال لها:
فاختمي مجلسنا و فرّقي جماعتنا بصوت فقط؛ فغنّت:
أ في رسم دار دمعك المترقرق
سفاها! و ما استنطاق ما ليس ينطق
/ بحيث التقى جمع و أقصى محسّر [٥]
مغانيه قد كادت عن العهد تخلق
مقام لنا بعد العشاء و منزل
به لم يكدّره علينا معوّق
فأحسن شيء كان أوّل ليلنا
و آخره حزن إذا نتفرّق
فقال الشيخ: حسن و اللّه! أمثل هذا يترك [٦]! فيم نتشاهد الرجال! لا و اللّه و لا كرامة لمن خالف الحقّ. ثم قام و قام الناس معه، و قال: الحمد للّه الذي لم يفرّق جماعتنا على اليأس من الغناء و لا جحود فضيلته، و سلام عليك و رحمة اللّه يا جميلة.
وصف مجلس لها غنت فيه و رقصت و غنى المغنون و رقصوا
: و قال أبو عبد اللّه: جلست جميلة يوما و لبست برنسا طويلا، و ألبست من كان عندها برانس دون ذلك، و كان في القوم ابن سريج، و كان قبيح الصّلع قد اتخذ وفرة شعر [٧] يضعها على رأسه، و أحبّت جميلة أن ترى صلعته.
فلما بلغ البرنس إلى ابن سريج قال: دبّرت عليّ و ربّ الكعبة! و كشف صلعته و وضع القلنسية على رأسه، و ضحك القوم من قبح صلعته؛ ثم قامت جميلة و رقصت و ضربت بالعود و على رأسها البرنس الطويل و على عاتقها بردة يمانية و على القوم أمثالها، و قام ابن سريج يرقص و معبد و الغريض و ابن عائشة و مالك و في يد كلّ واحد منهم عود يضرب به على ضرب جميلة و رقصها؛ فغنّت و غنّى القوم على غنائها:
[١] وردت هذه الجملة هكذا في الأصول، و هي غير واضحة.
[٢] في ج: «فيستغنون».
[٣] في ب، س: «ذهب على المحدث» و هو تحريف».
[٤] في ب، س: بالفضل له.
[٥] جمع: علم للمزدلفة. و وادي محسر: موضع بين منى و المزدلفة و ليس من منى و لا مزدلفة بل هو واد برأسه، و قيل فيه غير ذلك.
راجع «معجم البلدان» لياقوت.
[٦] في ب، س: «أمثل هذا ينزل فيه مشاهد الرجال لا و اللّه لا ينزل هذا و لا كرامة» و هي محرفة.
[٧] كذا فيما سيأتي. و في الأصول هنا: «و فرة شعرة» و هو تحريف. و الوفرة: الشعر المجتمع على الرأس أو ما سال على الأذنين منه.