الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٧٨ - أمره الحجاج و أمر الفرزدق بأن يدخلا عليه بلباس آبائهما في الجاهلية
و هي قصيدة، فاجتمعوا على عمر بن يزيد. و لم يزالوا به حتى خلعوا المرأة منه.
استشفع عنبسة بن سعيد إلى الحجاج ثم أنشده فأجازه
: أخبرني محمد بن خلف قال حدّثني محمد بن الهيثم قال حدّثني عمّي أبو فراس قال حدّثني ودقة بن معروف قال:
نزل جرير على عنبسة [١] بن سعيد بواسط، و لم يكن أحد يدخلها إلا بإذن الحجّاج. فلما دخل على عنبسة، قال له: ويحك! لقد غرّرت بنفسك! فما حملك على ما فعلت؟ قال: شعر قلته اعتلج في صدري و جاشت به نفسي و أحببت أن يسمعه الأمير. قال: فعنّفه و أدخله بيتا في جانب داره و قال: لا تطلعنّ رأسك حتى ننظر كيف تكون الحيلة لك. قال: فأتاه رسول الحجّاج من ساعته يدعوه في يوم قائظ، و هو قاعد في الخضراء [٢] و قد صبّ فيها ماء استنقع [٣] في أسفلها و هو قاعد على سرير و كرسيّ موضوع ناحية. قال عنبسة: فقعدت على الكرسيّ، و أقبل عليّ الحجّاج يحدّثني. فلما رأيت تطلّقه و طيب نفسه قلت: أصلح اللّه الأمير! رجل من شعراء العرب قال فيك شعرا أجاد فيه، فاستخفّه عجبه به حتى دعاه إلى أن رحل إليك و دخل مدينتك من غير أن يستأذن له. قال: و من هو؟
قلت: ابن الخطفى. قال: و أين هو؟ قلت: في المنزل. قال: يا غلام! فأقبل الغلمان يتسارعون. قال: صف لهم موضعه من دارك؛ فوصفت لهم البيت الذي هو فيه، فانطلقوا حتى جاءوا به، فأدخل عليه و هو مأخوذ بضبعيه حتى رمي به في الخضراء، فوقع على وجهه في الماء ثم قام يتنفّش كما يتنفش الفرخ. فقال له: هيه! ما أقدمك علينا بغير إذننا/ لا أمّ لك؟ قال: اصلح اللّه الأمير! قلت في الأمير شعرا لم يقل مثله أحد، فجاش به صدري و أحببت أن يسمعه منّي الأمير، فأقبلت به إليه. قال: فتطلّق الحجّاج و سكن، و استنشده فأنشده. ثم قال: يا غلام! فجاءوا يسعون. فقال: عليّ بالجارية/ التي بعث بها إلينا عامل اليمامة؛ فأتي بجارية بيضاء مديدة القامة. فقال: إن أصبت صفتها فهي لك. فقال: ما اسمها؟ قال: أمامة؛ فأنشأ يقول:
ودّع أمامة حان منك رحيل
إنّ الوداع لمن تحبّ قليل
مثل الكثيب تهيّلت أعطافه
فالريح تجبر متنه و تهيل
تلك القلوب صواديا تيّمتها
و أرى الشفاء و ما إليه سبيل
فقال: خذ بيدها. فبكت الجارية و انتحبت. فقال: ادفعوها إليه بمتاعها و بغلها و رحالها.
أمره الحجاج و أمر الفرزدق بأن يدخلا عليه بلباس آبائهما في الجاهلية
: أخبرنا أبو خليفة قال حدّثنا محمد بن سلام قال حدّثني أبو الغرّاف قال:
قال الحجّاج لجرير و الفرزدق و هو في قصره بجزيز [٤] البصرة: ائتياني في لباس آبائكما في الجاهليّة. فلبس
[١] هو عنبسة بن سعيد بن العاص أحد أشراف بني أمية، حبسه عبد الملك بن مروان يوم قتل أخيه عمرو بن سعيد الأشدق. (انظر الطبري ق ٢ ص ٧٩٢، ٨٦٩، ٨٧١ طبع أوربا).
[٢] المراد بها خضراء واسط، و تعرف بالقبة الخضراء، بناها الحجاج مع قصره و المسجد الجامع بهذه المدينة. (راجع المجلد السابع من المكتبة الجغرافية ص ٣٢٢ طبع أوربا).
[٣] استنقع الماء: اجتمع.
[٤] كذا في ج و «معجم ما استعجم» للبكري و معجم ياقوت. و حزيز: موضع بالبصرة بين العقيق و أعلى المربد. و قد ورد محرّفا في جميع الأصول.