الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٧٢ - أوفده الحجاج على عبد الملك مع ابنه محمد و أوصاه به
عوى [١]
الشعراء بعضهم لبعض
عليّ فقد أصابهم انتقام
إذا أرسلت قافية شرودا
رأوا أخرى تحرّق فاستداموا [٢]
/ فمصطلم [٣] المسامع أو خصيّ
و آخر عظم هامته حطام
ثم عاد من حيث قطع. فلما فرغ قيل له: و لم قلت هذا؟ قال: قد نهيت الأحوص أن يعين عليّ الفرزدق، فأنا و اللّه يا بني عمرو بن عوف ما تعوّذت من شاعر قطّ، و لو لا حقّكم ما تعوّذت منه.
أوفده الحجاج على عبد الملك مع ابنه محمد و أوصاه به
: أخبرنا علي بن سليمان الأخفش قال حدّثنا الحسن بن الحسين السّكّريّ قال: قال عمارة بن عقيل حدّثني أبي عن أبيه:
أن الحجّاج أوفد ابنه محمّد بن الحجّاج إلى عبد الملك و أوفد إليه جريرا معه و وصّاه به و أمره بمسألة عبد الملك في الاستماع منه و معاونته عليه. فلما وردوا استأذن له محمد على عبد الملك، فلم يأذن له، و كان لا يسمع من شعراء مضر و لا يأذن لهم، لأنهم كانوا زبيريّة. فلما استأذن له محمد على عبد الملك و لم يأذن له أعلمه أن أباه الحجاج يسأله في أمره و يقول: إنه لم يكن ممّن والى ابن الزبير و لا نصره بيده و لا لسانه، و قال له محمد: يا أمير المؤمنين، إنّ العرب لتحدّث أنّ عبدك و سيفك الحجّاج شفع في شاعر قد لاذ به و جعله وسيلته ثم رددته؛ فأذن له فدخل فاستأذن في الإنشاد؛ فقال له: و ما عساك أن تقول فينا بعد قولك في الحجّاج! أ لست القائل:
من سدّ مطّلع النّفاق عليكم
أم من يصول كصولة الحجاج
إن اللّه لم ينصرني بالحجّاج و إنما نصر دينه و خليفته. أ و لست القائل:
أم من يغار على النساء حفيظة
إذ لا يثقن بغيرة الأزواج
يا عاضّ كذا و كذا من أمّه! و اللّه لهممت أن أطير بك طيرة بطيئا سقوطها، أخرج عنّي، فأخرج بشرّ. فلما كان بعد ثلاث شفع إليه محمد لجرير و قال له:/ يا أمير المؤمنين، إني أدّيت رسالة عبدك الحجّاج و شفاعته في جرير، فلما أذنت له خاطبته بما أطار لبّه منه و أشمت به عدوّه، و لو لم تأذن له لكان خيرا له مما سمع. فإن رأيت أن تهب كلّ ذنب له لعبدك الحجّاج و لي فافعل، فإذن له. فاستأذنه في الإنشاد، فقال: لا تنشدني إلّا في الحجاج فإنما أنت للحجاج خاصّة. فسأله أن ينشده مديحه فيه، فأبى و أقسم ألّا ينشده إلّا من قوله في الحجّاج؛ فأنشده و خرج بغير جائزة. فلما أزف الرّحيل قال جرير لمحمد: إن رحلت عن أمير المؤمنين و لم يسمع منّي و لم آخذ له جائزة سقطت آخر الدهر، و لست بارحا بابه أو يأذن لي في الإنشاد. و أمسك عبد الملك عن الإذن له. فقال جرير: ارحل أنت و أقيم أنا. فدخل محمد على عبد الملك فأخبره بقول جرير و استأذنه له و سأله أن يسمع منه و قبّل يده و رجله، فإذن
[١] كذا في ح. و في سائر الأصول: «غوى» بالغين المعجمة و هو تصحيف. و عواؤهم: المراد به تناصرهم و تعاونهم، كما يعوي الذئب لأصحابه لتجتمع حوله.
[٢] رواية «الديوان» و «لسان العرب» (مادة دوم): «إذا أوقعت صاعقة عليهم». و معنى استداموا: انتظروا، كقول الشاعر:
ترى الشعراء من صعق مصاب
بصكته و آخر مستديم
[٣] الاصطلام: القطع.