الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٤٨ - قال قصيدته في هجو الراعي عند رجل من أنصاره
مجلسه و مجلس الفرزدق، دعا بدهن/ فادّهن و كفّ [١] رأسه، و كان حسن الشّعر، ثم قال: يا غلام، أسرج لي، فأسرج له حصانا، ثم قصد مجلسهم؛ حتى إذا كان بموضع [٢] السلام قال: يا غلام- و لم يسلّم- قل لعبيد: أبعثك نسوتك تكسبهنّ المال بالعراق! أما و الذي نفس جرير بيده لترجعنّ إليهنّ بمير يسوؤهن و لا يسرّهنّ! ثم اندفع فيها فأنشدها. قال: فنكس الفرزدق و راعى الإبل و أرمّ [٣] القوم، حتى إذا فرغ منها سار [٤]، و ثبت راعي الإبل ساعة ثم ركب بغلته بشرّ و عرّ و خلّى المجلس حتى ترقّى إلى منزله [٥] الذي ينزله ثم قال لأصحابه: ركابكم ركابكم، فليس لكم هاهنا مقام، فضحكم و اللّه جرير! فقال له بعض القوم: ذاك شؤمك و شؤم ابنك. قال: فما كان إلا ترحّلهم. قال فسرنا إلى أهلنا سيرا ما ساره أحد، و هم بالشّريف و هو أعلى دار بني نمير. فيحلف باللّه راعى الإبل إنّا وجدنا في أهلنا:
فغضّ الطّرف إنك من نمير و أقسم باللّه ما بلّغه إنسيّ قطّ، و إنّ لجرير لأشياعا من الجنّ. فتشاءمت به بنو نمير و سبّوه و ابنه، فهم يتشاءمون به إلى الآن.
قال قصيدته في هجو الراعي عند رجل من أنصاره
: أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني عليّ بن محمد النّوفليّ عن أبيه قال حدّثني مولى لبني كليب بن يربوع كان يبيع الرّطب بالبصرة أنسيت اسمه قال:
/ كنت أجمع شعر جرير و أشتهي أن أحفظه و أرويه. فجاءني ليلة فقال: إن راعي الإبل النّميريّ قد هجاني، و إنّي آتيك الليلة فأعدّ لي شواء رشراشا [٦] و نبيذا مخفسا [٧]؛ فأعددت له ذلك. فلما أعتم جاءني فقال: هلمّ عشاءك، فأتيته به، فأكل ثم قال: هلمّ نبيذك، فأتيته به، فشرب أقداحا ثم قال: هات دواة و كتفا [٨]؛ فأتيته بهما، فجعل يملي عليّ قوله:
أقلّي اللوم عاذل و العتابا
و قولي إن أصبت لقد أصابا
حتى بلغ إلى قوله:
فغضّ الطّرف إنك من نمير فجعل يردّده و لا يزيد عليه حتى حملتني عيني، فضربت بذقني صدري نائما، فإذا به قد وثب حتى أصاب السّقف رأسه و كبّر ثم صاح: أخزيته و اللّه! أكتب:
فلا كعبا بلغت و لا كلابا
[١] كف شعره: جمعه و ضم أطرافه.
[٢] كذا فيما سيأتي في «الأغاني» (ج ٢٠ ص ١٧٠) طبع بلاق. و في باقي الأصول هنا: «موقع السلام».
[٣] كذا في ح. و أرمّ القوم: سكنوا. و في سائر الأصول: «أزم بالزاي و هو تصحيف.
[٤] كذا في ح. و في سائر الأصول: «... سار و ثبت راعى الإبل ساعتئذ فركب بغلته ... إلخ».
[٥] كذا في ح. و في سائر الأصول: «حتى أتى إلى المنزل الذي ينزله».
[٦] شواء رشراش: خضل ند يقطر دسما.
[٧] كذا في ج. و المخفس: السريع الإسكار. و في سائر الأصول: «محفشا» و هو تصحيف.
[٨] كانوا يكتبون في عظم الكتف لقلة القراطيس عندهم.