الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٩٩ - ولد أعمى و هجى بذلك و شعره في العمى
سقيت أبا المصرّع [١] إذ أتاني
و ذو الرّعثات منتصب يصيح
شرابا يهرب الذّبّان منه
و يلثغ حين يشربه الفصيح
قال: و الرّعث: الاسترسال و التساقط. فكأنّ اسم القرطة اشتقّ منه.
كان أشدّ الناس تبرما بالناس:
أخبرني محمد بن عمران قال حدّثني العنزيّ قال حدّثنا محمد [٢] بن بدر العجليّ قال: سمعت الأصمعيّ يذكر أن بشّارا كان من أشدّ الناس تبرّما بالناس، و كان يقول: الحمد للّه الذي ذهب ببصري؛ فقيل له: و لم يا أبا معاذ؟
قال: لئلّا أرى من أبغض. و كان يلبس قميصا له لبنتان [٣]، فإذا أراد أن ينزعه نزعه من أسفله، فبذلك سمّي المرعّث.
صفاته:
أخبرني هاشم بن محمد أبو دلف الخزاعيّ قال حدّثنا قعنب بن محرز عن الأصمعيّ قال:
كان بشّار ضخما، عظيم الخلق و الوجه، مجدورا، طويلا، جاحظ المقلتين قد تغشّاهما لحم أحمر، فكان أقبح الناس عمى و أفظعه [٤] منظرا، و كان إذا أراد أن ينشد صفّق بيديه و تنحنح و بصق عن يمينه و شماله ثم ينشد فيأتي بالعجب.
ولد أعمى و هجى بذلك و شعره في العمى:
أخبرنا يحيى بن عليّ عن أبي المدينيّ عن محمد بن سلّام قال:
ولد بشّار أعمى، و هو الأكمه. و قال في تصداق ذلك أبو هشام الباهليّ يهجوه:
و عبدي فقا [٥] عينيك في الرّحم أيره
فجئت و لم تعلم لعينيك فاقيا
أ أمّك يا بشّار كانت عفيفة؟
عليّ إذا مشي إلى البيت حافيا
قال: و لم يزل بشّار منذ قال فيه هذين البيتين منكسرا.
/ أخبرنا هاشم بن محمد قال حدّثنا الرّياشيّ عن الأصمعيّ قال:
ولد بشّار أعمى فما نظر إلى الدنيا قطّ، و كان يشبّه الأشياء بعضها ببعض في شعره فيأتي بما لا يقدر البصراء أن يأتوا بمثله؛ فقيل له يوما و قد أنشد قوله:
كأنّ مثار النقع فوق رءوسنا
و أسيافنا ليل تهاوى كواكبه
[١] كذا في أكثر النسخ، و في ء، ط: «المطوّح»، و في ح: «المطرّح».
[٢] هكذا وقع هذا الاسم هنا باتفاق جميع النسخ: «محمد بن بدر العجليّ»، و قد تقدّم في ص ١٣٧ من هذا الجزء باتفاق النسخ جميعها أيضا: «محمد بن زيد العجلي» مع اتحاد رجال السند في الموضعين. فلينظر.
[٣] اللبنة: بنيقة القميص و هي زيقه الذي يفتح في النحر.
[٤] كذا في جميع الأصول بإفراد الضمير. و هو استعمال عربيّ فصيح، يقال: أحسن الناس خلقا و أحسنه وجها، و المراد أحسنهم، و هو كثير من أفصح الكلام. انظر «اللسان» مادة «حنا».
[٥] فقأ: قلع، و الأصل فيه الهمز فسهل.