الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١١٥ - شعره في قينة
دوار [١] العذارى إذا زرنها
أطفن بحوراء مثل الصّنم [٢].
ظمئت إليها فلم تسقني
بريّ و لم تشفني من سقم
و قالت هويت فمت راشدا
كما مات عروة [٣] غمّا بغمّ
فلما رأيت الهوى قاتلي
و لست بجار و لا بابن عمّ
دسست إليها أبا مجلز
و أيّ فتى إن أصاب اعتزم
فما زال حتى أنابت له
فراح و حلّ لنا ما حرم
فقال له رجل: و من أبو مجلز هذا يا أبا معاذ؟ قال: و ما حاجتك إليه! لك عليه دين أو تطالبه بطائلة [٤]! هو رجل يتردّد بيني و بين معارفي في رسائل. قال: و كان كثيرا ما يحشو شعره بمثل هذا.
شعره في قينة:
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال:
كانت بالبصرة قينة لبعض ولد سليمان بن عليّ و كانت محسنة بارعة الظّرف، و كان بشّار صديقا لسيّدها و مدّاحا له، فحضر مجلسه يوما و الجارية تغنّي؛ فسرّ بحضوره و شرب حتى سكر و نام، و نهض بشّار؛ فقالت: يا أبا معاذ، أحبّ أن تذكر يومنا هذا في قصيدة و لا تذكر فيها اسمي و لا اسم سيّدي و تكتب بها إليه؛ فانصرف و كتب إليه:
و ذات دلّ كأن البدر صورتها
باتت تغنّي عميد [٥] القلب سكرانا:
/ (إنّ العيون التي في طرفها حور
قتلننا ثم لم يحيين قتلانا)
فقلت أحسنت يا سؤلي و يا أملي
فأسمعيني جزاك اللّه إحسانا:
يا حبّذا جبل الرّيان [٦] من جبل
و حبّذا ساكن الريّان من كانا)
قالت فهلا، فدتك النفس، أحسن من
هذا لمن كان صبّ القلب حيرانا:
يا قوم أذني لبعض الحيّ عاشقة
و الأذن تعشق قبل العين أحيانا)
فقلت أحسنت أنت الشمس طالعة
أضرمت في القلب و الأحشاء نيرانا
فأسمعيني صوتا مطربا هزجا [٧]
يزيد صبّا محبّا فيك أشجانا
يا ليتني كنت تفّاحا مفلّجة [٨]
أو كنت من قضب الريحان ريحانا
[١] كذا في جميع النسخ و الدوار بضم الدال و فتحها مع تخفيف الواو و قد تشدّد: صنم كانت العرب تنصبه، يجعلون موضعا حوله يدورون به، و هو وارد هنا على وجه التشبيه؛ و في «زهر الآداب» ج ٢ ص ١١٩ طبع المطبعة الرحمانية: «رواء».
[٢] كذا في «زهر الآداب» و في جميع الأصول: «الضمم» بالضاد المعجمة و الميم، و هو تحريف.
[٣] يشير إلى عروة بن حزام العذري صاحب عفراء، أحد العشاق المشهورين الذين قتلهم العشق.
[٤] الطائلة: الذحل و الثأر.
[٥] عميد القلب: مريضه، يقال: قلب عميد إذا هدّه العشق و كسره.
[٦] الريان: جبل في ديار طيء لا يزال يسيل منه الماء، و هو في مواضع كثيرة منها.
[٧] الهزج: ضرب من ضروب الأغاني فيه تطريب بتدارك الصوت و تقاربه.
[٨] مفلّجة: مقسمة، و يريد بذلك أنها إذا قسمت كانت أسطع نفحا و أضوع شذا و طيبا.