الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٤٢ - صوت من المائة المختارة من رواية جحظة
دعي ذات يوم المغنّون للوليد بن يزيد، و كنت نازلا معهم، فقلت للرسول: خذني فيهم؛ قال: لم أومر بذلك و إنما أمرت بإحضار المغنّين و أنت بطّال [١] لا تدخل في جملتهم؛ فقلت: أنا و اللّه أحسن غناء منهم، ثم اندفعت فغنّيته؛ فقال: لقد سمعت حسنا و لكنّي أخاف؛ فقلت: لا خوف عليك، و لك مع هذا شرط، قال: و ما هو؟
/ قلت: كلّ ما أصبته فلك شطره؛ فقال للجماعة: اشهدوا عليه، فشهدوا، و مضينا فدخلنا على الوليد و هو لقس [٢] النفس، فغنّاه المغنّون في كل فنّ من خفيف و ثقيل، فلم يتحرّك و لا نشط، فقام الأبجر إلى الخلاء، و كان خبيثا داهيا، فسأل الخادم عن خبره، و بأيّ سبب هو خاثر [٣]؟ فقال: بينه و بين امرأته شرّ، لأنه عشق أختها فغضبت عليه فهو إلى أختها أميل، و قد عزم على طلاقها و حلف لها ألّا يذكرها أبدا بمراسلة و لا مخاطبة، و خرج على هذا الحال من عندها؛ فعاد الأبجر إلينا و ما حلس حتى اندفع فغنّى:
صوت
فبيني فإنّي لا أبالي و أيقني
أ صعّد باقي حبّكم أم تصوّبا
أ لم تعلمي أنّي عزوف عن الهوى
إذا صاحبي من غير شيء تغضّبا
فطرب الوليد و ارتاح و قال: أصبت يا عبيد و اللّه ما في نفسي، و أمر له بعشرة آلاف درهم و شرب حتى سكر، و لم يحظ بشيء أحد سوى الأبجر، فلما أيقنت بانقضاء المجلس و ثبت فقلت: إن رأيت يا أمير المؤمنين أن تأمر من يضربني مائة الساعة بحضرتك! فضحك و قال: قبّحك اللّه! و ما السبب في ذلك؟ فأخبرته بقصتي مع الرسول و قلت:
إنه بدأني من المكروه في أوّل يومه بما اتصل عليّ إلى آخره، فأريد أن أضرب مائة و يضرب بعدي مثلها، فقال له:
لقد لطفت، أعطوه مائة دينار و أعطوا الرسول خمسين دينارا من مالنا عوضا عن الخمسين التي أراد أن يأخذها؛ فقبضتها و ما حظي أحد بشيء غيري و غير الرسول. و الشعر الذي غنّى فيه الأبجر الوليد بن يزيد لعبد الرحمن بن الحكم أخي مروان بن الحكم، و الغناء للأبجر ثقيل أوّل بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق. و فيه لغيره عدّة ألحان نسبت.
صوت من المائة المختارة من رواية جحظة
حمزة المبتاع بالمال الثّنا
و يرى في بيعه أن قد غبن
فهو إن أعطى عطاء فاضلا
ذا إخاء لم يكدّره بمنّ
و إذا ما سنة مجدبة
برت الناس كبري بالسّفن [٤]
[١] البطال: الذي يهزل في حديثه.
[٢] لقس النفس: وصف من لقست نفسه إذا غثت و خبثت.
[٣] الخاثر: الذي غثت نفسه.
[٤] السفن (بالتحريك): كل ما يبري و ينحت به، قال زهير:
ضربا كنحت جذوع الأثل بالسفن