الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٦١ - قصة غزوة لماوان و حديثه مع غلام تبين بعد أنه ابنه
ثم مضى يبتغي لهم شيئا و قد جهدوا، فإذا هو بأبيات شعر و بامرأة قد خلا من سنّها و شيخ كبير كالحقاء [١] الملقى، فكمن في كسر بيت منها، و قد أجدب الناس و هلكت الماشية، فإذا هو في البيت بسحور ثلاثة مشويّة- فقال ثمامة: و ما السّحور؟ قال: الحلقوم بما فيه- و البيت خال فأكلها، و قد مكث قبل ذلك يومين لا يأكل شيئا فاشبعته و قوي، فقال: لا أبالي من لقيت بعد هذا. و نظرت المرأة فظنّت أنّ الكلب أكلها فقالت للكلب: أ فعلتها يا خبيث! و طردته. فإنه لكذلك/ إذا هو عند المساء بإبل قد ملأت الأفق و إذا هي تلتفت فرقا، فعلم أن راعيها جلد شديد الضرب لها، فلما أتت المناخ بركت، و مكث الراعي قليلا ثم أتى ناقة منها فمرى [٢] أخلافها، ثم وضع العلبة على ركبتيه و حلب حتى ملأها، ثم أتى الشيخ فسقاه، ثم أتى ناقة أخرى ففعل بها ذلك [٣] و سقى العجوز، ثم أتى أخرى ففعل بها كذلك فشرب هو، ثم التفع بثوب و اضطجع ناحية، فقال الشيخ للمرأة و أعجبه ذلك: كيف ترين ابني؟ فقالت: ليس بابنك! قال: فابن من ويلك؟ قالت: ابن عروة بن الورد، قال: و من أين؟ قالت: أتذكر يوم مرّ بنا يريد [٤] سوق ذي المجاز فقلت: هذا عروة بن الورد، و وصفته لي بجلد فإني استطرفته [٥]. قال: فسكت، حتى إذا نوّم [٦] وثب عروة و صاح بالإبل فاقتطع منها نحوا من النصف و مضى و رجا ألّا يتبعه الغلام- و هو غلام حين بدا شاربه- فاتّبعه. قال: فاتخذا [٧] و عالجه، قال: فضرب به الأرض فيقع قائما، فتخوّفه على نفسه، ثم واثبه فضرب به و بادره، فقال: إنّي عروة بن الورد، و هو يريد أن يعجزه عن نفسه. قال: فارتدع، ثم قال مالك ويلك! لست أشكّ أنك قد سمعت ما كان من أمّي؛ قال قلت نعم. فاذهب معي أنت و أمك و هذه الإبل ودع هذا الرجل فإنه لا ينهاك [٨] عن شيء، قال: الذي بقي من عمر الشيخ قليل، و أنا مقيم معه ما بقي، فإن له حقّا و ذماما، فإذا هلك فما أسرعني إليك، و خذ من هذه الإبل بعيرا؛ قلت: لا يكفيني، إنّ معي/ أصحابي [٩] قد خلّفتهم؛ قال: فثانيا، قلت لا؛ قال: فثالثا، و اللّه لا زدتك على ذلك [١٠]. فأخذها و مضى إلى أصحابه، ثم إنّ الغلام لحق به بعد هلاك الشيخ.
قال: و اللّه يا أمير المؤمنين لقد زيّنته عندنا و عظّمته في قلوبنا؛ قال: فهل أعقب عندكم؟ قال لا، و لقد كنا نتشاءم/ بأبيه، لأنه هو الذي أوقع الحرب بين عبس و فزارة بمراهنته حذيفة، و لقد بلغني أنه كان له ابن أسنّ من عروة فكان يؤثره على عروة فيما يعطيه و يقرّبه، فقيل له: أ تؤثر الأكبر مع غناه عنك على الأصغر مع ضعفه! قال: أ ترون هذا الأصغر! لئن بقي مع ما رأى ما شدّة نفسه ليصيرنّ الأكبر عيالا عليه.
[١] كذا في أكثر النسخ. و الحقاء: الإزار. و في ب، س، ح: «كالخباء».
[٢] مري أخلافها: مسح ضرعها لتدرّ.
[٣] كذا في أكثر الأصول. و في ب، س، ح: «كذلك».
[٤] كذا في أ، م. و في أكثر الأصول: «مرّ بنا و نحن نريد».
[٥] كذا في ط، ء. و استطرفته: عددته طريفا. و لعلها: استظرفته. و في باقي الأصول: «استطرقته» بالقاف.
[٦] نوّم: مبالغة في نام.
[٧] كذا في ط، ء. يقال اتخذ القوم إذا أخذ بعضهم بعضا في القتال. و في ح: «فاتحدا». و في باقي الأصول: «فانحدرا».
[٨] كذا في ء و هامش ط. و معنى لا ينهاك عن شيء أنه لا غناء فيه فلا ينهاك عن تطلب غيره. و في ب، س: «لا يهنئك» و في باقي الأصول «لا ينهيك» و كلاهما تحريف.
[٩] في ح: «أصحابا».
[١٠] كذا في أكثر النسخ. و في ب، س، ح: «و اللّه لا زدتك على ذلك شيئا» بزيادة كلمة شيء.