الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٣٨ - لما صار طاهر إلى العراق في حرب الأمين سأل عن ولد بشار ليبرهم
رويد [١]
تصاهل بالعراق جيادنا
كأنك بالضّحاك قد قام نادبه
وسام لمروان و من دونه الشّجا
و هول كلجّ البحر جاشت غواربه
أحلّت به أمّ المنايا بناتها
بأسيافنا، إنّا ردى من نحاربه
و كنّا إذا دبّ العدوّ لسخطنا
و راقبنا في ظاهر لا نراقبه
ركبنا له جهرا بكلّ مثقّف
و أبيض تستسقي الدّماء مضاربه
/ ثم قلت لإسحاق: أخبرني عن قول بشّار في هذه القصيدة:
فلمّا تولّى الحرّ و اعتصر الثّرى
لظى الصّيف من نجم توقّد لاهبه
و طارت عصافير الشّقائق [٢] و اكتسى
من الآل [٣] أمثال المجرّة [٤] ناضبه
غدت عانة تشكو بأبصارها الصّدى
إلى الجأب إلا أنها لا تخاطبه
- العانة: القطيع من الحمير، و الجأب: ذكرها. و معنى شكواها الصدى بأبصارها أن العطش قد تبيّن في أحداقها فغارت- قال: و هذا من أحسن ما وصف به الحمار و الأتن، أ فهذا للمتلمّس أيضا! قال: لا؛ فقلت: أ فما هو في غاية الجودة و شبيه بسائر الشعر، فكيف قصد بشّار لسرقة تلك الأبيات خاصّة! و كيف خصه بالسرقة منه وحده من بين الشعراء و هو قبله بعصر طويل! و قد روى الرّواة شعره و علم بشّار أنّ ذلك لا يخفى، و لم يعثر على بشّار أنه سرق شعرا قطّ جاهليّا و لا إسلاميا. و أخرى فإنّ شعر المتلمّس يعرف في بعض شعر بشّار؛ فلم يردد/ ذلك بشيء.
و قد أخبرني بهذا الخبر هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا أبو غسّان دماذ عن أبي عبيدة أنّ بشّارا أنشده:
إذا كنت في كلّ الأمور معاتبا
صديقك لم تلق [٥] الذي لا تعاتبه
و ذكر الأبيات. قال: و أنشدتها شبيل بن عزرة الضّبعيّ، فقال: هذا للمتلمّس؛ فأخبرت بذلك بشّارا، قال:
كذب و اللّه شبيل، لقد مدحت ابن هبيرة بهذه القصيدة و أعطاني عليها أربعين ألفا.
لما صار طاهر إلى العراق في حرب الأمين سأل عن ولد بشار ليبرّهم:
أخبرنا يحيى بن عليّ قال حدّثنا عليّ بن مهديّ قال حدّثنا عليّ بن إبراهيم المروزيّ، و كان أبوه من قوّاد طاهر، قال حدّثني أبي قال:
لما خلع محمّد المأمون و ندب له عليّ بن عيسى، ندب المأمون للقاء عليّ بن عيسى طاهر بن الحسين
[١] في «اللسان» (مادة رود): و قال الليث: إذا أردت «برويدا» الوعيد نصبتها بلا تنوين، و أنشد:
رويد نصاهل بالعراق جيادنا
إلخ. و في الأصول: «رويدا» بالتنوين.
[٢] الشقائق: جمع شقيقة و هي أرض صلبة بين رياض تنبت الشجر و العشب.
[٣] الآل: السراب.
[٤] المجرة: نجوم كثيرة لا تدرك بمجرّد البصر و إنما ينتشر ضوأها فيرى كأنه بقعة بيضاء.
[٥] في ح: «لم تلف» بالفاء.