الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٦٧ - قصته مع بناته الأربع و قد أردن الزواج
له حكمات [١]
الدّهر من غير كبرة
تشين و لا الفاني و لا الضّرع الغمر [٢]
/ فقلن لها: أنت تحبّين رجلا شريفا. و قلن للصّغرى: تمنّي؛ فقالت: ما أريد شيئا؛ قلن: و اللّه لا تبرحين حتّى نعلم ما في نفسك؛ قالت: زوج من عود خير من قعود. فلمّا سمع ذلك أبوهنّ زوّجهنّ أربعتهنّ. فمكثن برهة ثم اجتمعن إليه، فقال للكبرى: يا بنيّة، ما مالكم؟ قالت: الإبل؛ قال: فكيف تجدونها؟ قالت: خير مال، نأكل لحومها مزعا [٣]، و نشرب ألبانها جرعا، و تحملنا و ضعيفنا معا؛ قال: فكيف تجدين زوجك؟ قالت: خير زوج يكرم الحليلة، و يعطي الوسيلة [٤]؛ قال: مال عميم و زوج كريم. ثم قال للثانية: يا بنيّة ما مالكم؟ قالت: البقر؛ قال: فكيف تجدونها؛ قالت: خير مال، تألف الفناء، و تودّك [٥] السّقاء، و تملأ الإناء، و نساء في نساء؛ قال:
فكيف تجدين زوجك؟ قالت: خير زوج يكرم أهله و ينسى فضله؛ قال: حظيت و رضيت. ثم قال للثالثة: ما مالكم؟ قالت: المعزى؛ قال: فكيف تجدونها؟ قالت: لا بأس بها نولدها فطما [٦]، و نسلخها أدما [٧]؛ قال:
فكيف تجدين زوجك؟ قالت: لا بأس به ليس بالبخيل الحكر [٨] و لا بالسّمح البذر، قال: جدوى [٩] مغنية. ثم قال للرابعة: يا بنية، ما مالكم؟ قالت: الضّأن؛ قال: و كيف تجدونها؟ قالت: شرّ مال، جوف [١٠] لا يشبعن، و هيم [١١]/ لا ينقعن، و صمّ [١٢] لا يسمعن، و أمر مغويتهنّ يتبعن [١٣]؛ قال: فكيف تجدين زوجك؟ قالت: شرّ زوج، يكرم نفسه و يهين عرسه؛ قال: «أشبه امرأ بعض بزّه» [١٤].
و ذكر الحسن بن عليل العنزي في خبر عدوان الذي رواه عن أبي عمرو بن العلاء أنه لا يصحّ من أبيات ذي الإصبع الضّاديّة إلّا الأبيات التي أنشدها و أنّ سائرها منحول.
[١] كذا في «الكامل» للمبرد طبع أوروبا ص ٣١٧؛ و الحكمات جمع حكمة و أصلها الحديدة في اللجام تمنع الفرس من مخالفة راكبه.
و المراد بها هنا التجارب لأنها تمنع من ارتكاب ما لا يليق. و في أكثر الأصول: «به محكمات الشيب». و في بعضها: «له حكمات الحي» و كلاهما تحريف.
[٢] الضرع: الضعيف، و الغمر مثلث الغين: من لم يجرب الأمور.
[٣] مزعا جمع مزعة بضم الميم و كسرها و هي القطعة من اللحم.
[٤] الوسيلة: ما يتقرّب به إلى الغير. و في «الكامل» للمبرد: «و يقرب الوسيلة».
[٥] تودّك السقاء: تجعل فيه الودك و هو الدسم.
[٦] جمع فطيم و هو ما يفصل عن الرضاع.
[٧] الأدم: اسم لجمع الأديم و هو الجلد أو الأحمر منه أو مدبوغه.
[٨] الحكر: المستبد بالشيء.
[٩] كذا في جميع النسخ و الجدوى: الغناء و النفع. و في «الكامل» للمبرد طبع أوروبا ص ٣١٨ روى: «جذو مغنية» و قال في تفسيره:
الجذو جمع جذوة و أصل ذلك في الخشب ما كان منه فيه نار.
[١٠] جوف: عظام الأجواف.
[١١] الهيم: العطاش واحده أهيم أو هيماء، و لا ينقعن: لا يروين.
[١٢] هذا وارد على وجه التمثيل، و شبهت الضأن بما لا يسمع لبلادتها. و العرب يقولون: أبلد ما يرعى الضأن.
[١٣] قال عليّ بن عبد اللّه: قلت لأبي عائشة: ما قولها: «و أمر مغويتهن يتبعن» فقال: أ ما تراهن يمرون فتسقط الواحدة منهن في ماء أو و حل و ما أشبه ذلك فيتبعنها إليه. انظر «الكامل» للمبرد طبع أوروبا ص ٣١٨.
[١٤] كذا في الأصول و هي إحدى روايتين، و ثانيتهما «أشبه امرؤ بعض بزه» انظر «الكامل» للمبرد ص ٣١٨؛ و فيه: أنه أرسله مثلا و لم نجده في «مجمع الأمثال» للميداني و لا في «لسان العرب».