الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٠ - غنى مخارق الرشيد فأعتقه
غنّى إبراهيم الموصليّ الرشيد يوما:
يا ربع سلمى لقد هيّجت لي طربا
زدت الفؤاد على علّاته وصبا [١]
/- قال: و الصنعة فيه لرجل من أهل الكوفة يقال له عزّون [٢]- فأعجب به الرشيد و طرب له و استعاده مرارا؛ فقال له الموصليّ: يا أمير المؤمنين فكيف لو سمعته من عبدك مخارق، فإنه أخذه عنّي و هو يفضل فيه الخلق جميعا و يفضلني، فأمر بإحضار مخارق، فأحضر فقال له غنّني:
يا ربع سلمى لقد هيّجت لي طربا
زدت الفؤاد على علّاته وصبا
فغنّاه إياه؛ فبكى و قال: سل حاجتك! قال مخارق: فقلت: تعتقني يا أمير المؤمنين من الرقّ و تشرّفني بولائك، أعتقك اللّه من النار، قال: أنت حرّ لوجه اللّه، أعد الصوت؛ قال: فأعدته، فبكى و قال: سل حاجتك، فقلت: يا أمير المؤمنين ضيعة تقيمني غلّتها؛ فقال: قد أمرت لك بها، أعد الصوت؛ فأعدته فبكى و قال: سل حاجتك؛ فقلت: يأمر لي أمير المؤمنين بمنزل و فرشه و ما يصلحه و خادم فيه؛ قال: ذلك لك، أعده؛ فأعدته فبكى و قال: سل حاجتك؛ قلت: حاجتي يا أمير المؤمنين أن يطيل اللّه بقاءك و يديم عزّك و يجعلني من كل سوء فداءك؛ قال: فكان إبراهيم الموصليّ سبب عتقه بهذا الصوت [٣].
أخبرني بهذا الخبر محمد بن خلف وكيع قال حدّثني هارون بن مخارق، و حدّثني به الصّوليّ أيضا عن وكيع عن هارون بن مخارق قال:
كان أبي إذا غنّى هذا الصوت:
يا ربع سلمى لقد هيجت لي طربا
زدت الفؤاد على علّاته وصبا
/ يقول: أنا مولى هذا الصوت؛ فقلت له يوما: يا أبت، و كيف ذلك؟ فقال: غنّيته مولاي الرشيد/ فبكى و قال: أحسنت، أعد فأعدت؛ فبكى و قال: أحسنت! أنت حرّ لوجه اللّه و أمر لي بخمسة آلاف دينار، فأنا مولى هذا الصوت بعد مولاي، و ذكر [٤] قريبا مما ذكره المبرّد [٥] من باقي الخبر.
حدّثني الحسن بن علي قال حدّثنا ابن أبي الدّنيا قال حدّثني إسحاق النّخعيّ عن حسين بن الضّحّاك عن مخارق:
أن الرشيد أقبل يوما على المغنّين و هو مضطجع، فقال: من منكم يغني:
يا ربع سلمى لقد هيّجت لي طربا
زدت الفؤاد على علّاته وصبا
قال: فقمت فقلت: أنا، فقال: هاته؛ فغنيته فطرب و شرب، ثم قال: عليّ بهرثمة، فقلت في نفسي: ما تراه يريد منه! فجاءوا بهرثمة فأدخل إليه و هو يجرّ سيفه، فقال: يا هرثمة، مخارق الشاري الذي قتلناه بناحية الموصل ما كانت كنيته؟ فقال: أبو المهنّا؛ فقال: انصرف فانصرف؛ ثم أقبل عليّ فقال: قد كنيتك أبا المهنّا لإحسانك، و أمر
[١] في ط، ء: «نصبا».
[٢] في أ، م، ح: «غزون» بالغين المعجمة و قد تقدم الكلام على هذا الاسم في الحاشية رقم ٢ ص ٥٠ من هذا الجزء.
[٣] كذا في ط، ح، ء. و في سائر النسخ: «فكان إبراهيم الموصليّ يقول: سبب عتقه بهذا الصوت».
[٤] في ب، س، ح: «فذكر».
[٥] المبرد هو محمد بن يزيد الذي تقدم ذكره في أول السند.[٢]