الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٦٩ - وصيته لابنه عند موته
إن تزعما أنّني كبرت فلم
ألف ثقيلا نكسا و لا ورعا [١]
إمّا تري شكّتي [٢] رميح أبي
سعد فقد أحمل السّلاح معا
/ أبو سعد: ابنه، و رميح: عصا كانت لابنه يلعب بها مع الصّبيان يطاعنهم بها كالرّمح، فصار يتوكّأ هو عليها و يقوده ابنه هذا بها [٣].
السّيف و الرّمح و الكنانة قد
أكملت فيها معابلا [٤] صنعا [٥]
و المهر صافي الأديم أصنعه [٦]
يطير عنه عفاؤه قزعا [٧]
أقصر من قيده و أردعه
حتّى إذا السّرب ريع أو فزعا
كان أمام الجياد يقدمها
يهزّ لدنا و جؤجؤا تلعا [٨]
فغامس [٩] الموت أو حمى ظعنا [١٠]
أو ردّ نهبا لأيّ ذاك سعى
وصيته لابنه عند موته:
قال أبو عمرو: و لمّا احتضر ذو الإصبع دعا ابنه أسيدا [١١] فقال له: يا بنيّ، إن أباك قد فني و هو حيّ و عاش حتّى سئم العيش، و إنّي موصيك بما إن حفظته بلغت في قومك ما بلغته، فاحفظ عنّي: ألن جانبك لقومك يحبّوك، و تواضع لهم يرفعوك،/ و ابسط لهم وجهك يطيعوك، و لا تستأثر عليهم بشيء يسوّدوك؛ و أكرم صغارهم كما تكرم كبارهم يكرمك كبارهم و يكبر على مودّتك صغارهم، و اسمح بمالك، و احم حريمك، و أعزز جارك، و أعن من استعان بك، و أكرم ضيفك، و أسرع النّهضة [١٢] في الصّريخ، فإن لك أجلا لا يعدوك، و صن وجهك عن مسألة أحد شيئا، فبذلك يتم سوددك؛ ثم أنشأ يقول:
[١] النكس: الرجل الضعيف الذي لا خير فيه. و الورع: الضعيف لا غناء عنده.
[٢] الشكة: السلاح.
[٣] في «لسان العرب» مادة رمح: «و أخذ الشيخ رميح أبي سعد: اتكأ على العصا من كبره، و أبو سعد أحد وفد عاد، و قيل هو لقمان الحكيم، قال:
إما تري شكّتي رميح أبي
سعد فقد أحمل السلاح معا
و قيل: «أبو سعد كنية الكبر». و في «القاموس» مادة رمح مثل هذا الذي ذكره صاحب «اللسان» في تفسير «رميح أبي سعد». و لم يرد فيهما شيء مما ذكره أبو الفرج.
[٤] كذا في أكثر الأصول. و المعابل: جمع معبلة و هي نصل عريض طويل. و في ب، س، ح: «مقابلا» و هو تحريف.
[٥] صنعا: جمع صنيع و هو المجرّب المجلوّ، يقال: سيف صنيع و سهم صنيع أي مجرب مجلوّ.
[٦] أصنعه: أحسن القيام عليه، يقال: صنعت فرسي صنعا و صنعة أي أحسنت القيام عليه.
[٧] العفاء: الشعر الطويل. و القزع: القطع المتفرقة، و كل شيء يكون قطعا متفرقة فهو قزع.
[٨] اللدن: اللبن من كل شيء، و لعل المراد منه هنا الكفل. و الجؤجؤ: الصدر. و تلع: منبسط.
[٩] غامس الموت: ورده.
[١٠] ظعنا: جمع ظعينة و هي الزوجة، يقال: هي ظعينة فلان أي زوجته، و هؤلاء ظواعنه أي نساؤه، و سميت الزوجة ظعينة لأن الرجل يظعن بها.
[١١] سمي بأسيد كزبير و بأسيد كأمير، و لم نعثر على نص خاص في هذا الاسم.
[١٢] استعمل ابن جني أسرع متعديا فقال: «و يسرع قبول ما يسمعه» قال صاحب «اللسان»: فهذا إما أن يكون يتعدى بحرف و بغير حرف، و إما أن يكون أراد إلى قبول فحذف و أوصل.