الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٤٩ - عاتب صديقا له لأنه لم يهد له شيئا
و جعل التحريض فيها على أبي مسلم و المدح و المشورة لأبي جعفر المنصور، فقال:
أبا مسلم ما طيب عيش بدائم
و لا سالم عما قليل بسالم
/ و إنما كان قال: «أبا جعفر ما طيب عيش» فغيّره و قال فيها:
إذا بلغ الرأي النصيحة فاستعن
بعزم نصيح أو بتأييد حازم
و لا نجعل الشّورى عليك غضاضة
مكان الخوافي نافع للقوادم
و خلّ الهوينى للضعيف و لا تكن
نئوما فإنّ الحزم ليس بنائم
و ما خير كفّ أمسك الغلّ أختها
و ما خير سيف لم يؤيّد بقائم
و حارب إذا لم تعط إلا ظلامة
شبا الحرب خير من قبول المظالم
و أدن على القربى المقرّب نفسه
و لا تشهد الشّورى امرأ غير كاتم
فإنك لا تستطرد الهمّ بالمنى
و لا تبلغ العليا بغير المكارم
إذا كنت فردا هرّك [١] القوم مقبلا
و إن كنت أدنى لم تفز بالعزائم
و ما قرع الأقوام مثل مسيّع [٢]
أريب و لا جلّى العمى مثل عالم
قال الأصمعيّ: فقلت لبشّار: إني رأيت رجال الرأي يتعجّبون من أبياتك في المشورة؛ فقال: أ ما علمت أنّ المشاورين إحدى الحسنيين: بين صواب يفوز بثمرته أو خطأ يشارك في مكروهه؛ فقلت: أنت و اللّه أشعر في هذا الكلام منك في الشعر.
اعترض عليه رجل لوصفه جسمه بالنحول و هو سمين:
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني عليّ بن الصبّاح عن بعض الكوفيين قال:
مررت ببشّار و هو متبطّح [٣] في دهليزه كأنه جاموس، فقلت له: يا أبا معاذ، من القائل:
/
في حلّتي جسم فتى ناحل
لو هبّت الريح به طاحا
قال: أنا؛ قلت: فما حملك على هذا الكذب؟ و اللّه إني لأرى أن لو بعث اللّه الرياح التي أهلك بها الأمم الخالية ما حرّكتك من موضعك! فقال بشّار: من أين أنت؟ قلت: من أهل الكوفة؛ فقال: يا أهل الكوفة لا تدعون ثقلكم و مقتكم على كل حال!.
عاتب صديقا له لأنه لم يهد له شيئا:
نسخت من كتاب هارون بن عليّ: قال حدّثني عافية بن شبيب قال:
قدم كرديّ بن عامر المسمعيّ من مكة، فلم يهد لبشّار شيئا و كان صديقه؛ فكتب إليه:
[١] يقال: فلان هره الناس إذا كرهوا ناحيته، قال الأعشى:
أرى الناس هروني و شهّر مدخلي
ففي كل ممشى أرصد الناس عقربا
[٢] المشيع: الشجاع، كأنه قد شيع قلبه بما يركب من الأهوال، أو بقوّة قلبه.
[٣] متبطح: ممتدّ على وجه الأرض بوجهه.