الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٩٤ - غناء نافع الخير عند رجل من قريش
لو لا الحياء و أنّ رأسي قد عثا [١]
فيه المشيب لزرت أمّ القاسم
/ فدعا به مولاه فقال له: يا بنيّ أعد ما سمعته منك عليّ، فأعاده فإذا هو أحسن مما ابتدأ به، فقال: إن هذا لمن بعض ما كنت أقول، ثم قال: أنّى لك هذا؟ قال: سمعت هذه الأعاجم تتغنّى بالفارسيّة فثقفتها [٢] و قلبتها في هذا الشعر، قال له: فأنت حرّ لوجه اللّه، فلزم مولاه و كثر أدبه و اتسع في غنائه و مهر بمكّة و أعجبوا به لظرفه و حسن ما سمعوه منه، فدفع إليه مولاه عبيد بن سريج، و قال له: يا بنيّ علّمه و اجتهد فيه؛ و كان ابن سريج أحسن الناس صوتا، فتعلّم منه ثم برّز عليه حتى لم يعرف له نظير.
غناء نافع الخير عند رجل من قريش:
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثنا أخي هارون عن ابن الماجشون عن شيخ من أهل المدينة، و أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان و الحسين بن يحيى قالا أخبرنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال ذكر ابن الكلبيّ عن أبي مسكين عن شيخ من أهل المدينة قال:
دخلت على رجل من قريش بالمدينة و عنده رجل ساكن الطّرف نبيل تأخذه العين، لا أعرفه؛ فقال له القرشيّ:
أقسمت عليك إلّا ما غنّيت صوتا، فحوّل خاتمه من خنصره اليسرى إلى بنصره اليمنى، ثم تناول قدحا، فغنّاه لحن ابن سريج في شعر كعب بن جعيل:
إذا امتشطت [٣] عالوا لها بوسادة
و مدّت عسيب المتن أن يتعفّرا
ثوت نصف شهر تحسب الشهر ليلة
تناغي [٤] غزالا ساجي [٥] الطرف أحورا
/ تزيّن حتى تسلب المرء عقله
و حتى يحار الطرف فيها و يسكرا [٦]
/ ثم غنّى في شعر توبة بن الحميّر:
و غيّرني إن كنت لمّا تغيّري
هواجر تكتنّينها و أسيرها
و أدماء [٧] من سرّ المهارى [٨] كأنها
مهاة [٩] صوار [١٠] غير ما مسّ كورها
[١] كذا في «لسان العرب» في مادة «عثا» و عثا: أفسد، يقال: عثا فيه المشيب أي أفسد، و في جميع الأصول «عسا» بالسين المهملة، و لم يظهر له معنى إلا أن يكون بمعنى اشتدّ، من قولهم: عسا النبات عسوّا أي غلظ و اشتدّ.
[٢] ثقف الشيء: فهمه و أخذه.
[٣] كذا في ح، و في باقي النسخ: «إذا انتشطت» و هو تحريف.
[٤] المناغاة: المغازلة.
[٥] ساجي الطرف: فاترة ساكنه، و الأحور: الأبيض الناعم.
[٦] يقال: سكرت عينه تسكر (من باب نصر) إذا تحيرت و سكنت عن النظر. و في الأصول: «و يشكرا» بالشين و هو تحريف.
[٧] الأدماء: من الإبل التي أشرب لونها بياضا مع سواد المقلتين.
[٨] السرّ: المحض، يقال: «هو في سر النسب» أي محضه و أفضله؛ و المهاري: جمع مهرية و هي إبل منسوبة إلى مهرة ابن حيدان، و قيل: هي منسوبة إلى بلد، و قال الأزهري: هي نجائب تسبق الخيل.
[٩] المهاة: البقرة الوحشية.
[١٠] الصوار: قطيع البقر.