الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٣٩ - غضب على سلم الخاسر لأنه سرق من معانيه
ذا اليمينين [١] و جلس له لعرضه و عرض أصحابه، فمرّ به ذو اليمينين معترضا و هو ينشد:
رويد [٢] تصاهل بالعراق جيادنا
كأنك بالضحّاك قد قام نادبه
فتفاءل المأمون بذلك فاستدناه فاستعاده البيت فأعاد عليه؛ فقال ذو الرّئاستين [٣]: يا أمير المؤمنين هو حجر [٤] العراق؛ قال: أجل. فلما صار ذو اليمينين إلى العراق سأل: هل بقي من ولد بشّار أحد؟ فقالوا: لا؛ فتوهّمت أنه قد كان همّ لهم بخير.
غضب على سلّم الخاسر لأنه سرق من معانيه:
أخبرنا يحيى قال حدّثنا أبي قال أخبرني أحمد بن صالح- و كان أحد الأدباء- قال:
غضب بشّار على سلّم الخاسر و كان من تلامذته و رواته، فاستشفع عليه بجماعة من إخوانه فجاءوه في أمره؛ فقال لهم:
كلّ حاجة لكم مقضيّة/ إلا سلما؛ قالوا ما جئناك إلا في سلّم و لا بدّ من أن ترضى عنه لنا؛ فقال: أين هو الخبيث؟ قالوا: ها هو هذا؛ فقام إليه سلّم فقبّل رأسه و مثل بين يديه و قال: يا أبا معاذ، خرّيجك و أديبك؛ فقال: يا سلّم، من الذي يقول:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته
و فاز بالطيّبات الفاتك اللّهج
قال: أنت يا أبا معاذ، جعلني اللّه فداءك! قال: فمن الذي يقول:
من راقب الناس مات غمّا
و فاز باللّذّة الجسور [٥]
قال: خرّيجك يقول ذلك (يعني نفسه)؛ قال: أ فتأخذ معانيّ التي قد عنيت بها و تعبت في استنباطها، فتكسوها ألفاظا أخفّ من ألفاظي حتى يروى ما تقول و يذهب شعري! لا أرضى عنك أبدا، قال: فما زال يتضرّع إليه، و يشفع له القوم حتى رضي عنه. و في هذه القصيدة يقول بشّار:
لو كنت تلقين ما نلقى قسمت لنا
يوما نعيش به منكم و نبتهج
صوت
لا خير في العيش إن كنّا [٦] كذا أبدا
لا نلتقي و سبيل الملتقى نهج [٧]
[١] ذكر ابن خلكان في «وفيات الأعيان» (ج ١ ص ٣٣٥) طاهرا هذا و قال في سياق ترجمته: و اختلفوا في تلقيبه بذي اليمينين لأيّ معنى كان فقيل: لأنه ضرب شخصا في وقعته مع عليّ بن ماهان فقدّه نصفين و كانت الضربة بيساره فقال فيه بعض الشعراء:
كلتا يديك يمين حين تضربه
و ذكر أيضا في ترجمة الفضل بن سهل (ج ١ ص ٥٨٩) أن الفضل كان أعلم الناس بعلم النجامة، فلما عزم المأمون على إرسال طاهر بن الحسين إلى محاربة أخيه الأمين، نظر الفضل في مسألته فوجد الدليل في وسط السماء و كان ذا يمينين، فأخبر المأمون بأن طاهرا يظفر بالأمين و يلقّب بذي اليمينين، فلقب المأمون طاهرا بذلك، و هو أشهر قوّاده.
[٢] انظر الحاشية رقم ٤ من ص ١٩٧ من هذا الجزء.
[٣] هو الفضل بن سهل وزير المأمون، و لقب بذي الرئاستين لأنه تقلد الوزارة و السيف.
[٤] يريد أنه الركن الذي يعوّل عليه.
[٥] هذا البيت و بيت بشار قبله يذكرهما علماء البلاغة شاهدا لحسن أخذ الشاعر الثاني من الأوّل، و يسمونه حسن الاتباع، لأن بيت سلّم أجود سبكا و أخصر لفظا (انظر «معاهد التنصيص» صفحة ٥٠٦ طبع بولاق).
[٦] كذا في الأصول. و في «معاهد التنصيص»: «إن دمنا».
[٧] النهج: البين الواضح.