الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٢٢ - الملاحاة بينه و بين عقبة بن رؤبة في حضرة عقبة بن سلم
قالت امرأة لبشّار: ما أدري لم يهابك الناس مع قبح وجهك! فقال لها بشّار: ليس من حسنه يهاب الأسد.
الملاحاة بينه و بين عقبة بن رؤبة في حضرة عقبة بن سلّم:
أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا محمد بن الحجّاج قال:
دخل بشار على عقبة [١] بن سلّم، فأنشده بعض مدائحه فيه و عنده عقبة بن رؤبة ينشده رجزا يمدحه به، فسمعه بشّار و جعل يستحسن ما قاله إلى أن فرغ؛ ثم أقبل/ على بشّار فقال: هذا طراز لا تحسنه أنت يا أبا معاذ؛ فقال له بشّار: أ لي يقال هذا! أنا و اللّه أرجز منك و من أبيك و جدّك؛ فقال له عقبة: أنا و اللّه و أبي فتحنا للناس باب الغريب و باب الرّجز، و و اللّه إني لخليق أن أسدّه عليهم؛ فقال بشّار: ارحمهم رحمك اللّه! فقال عقبة: أ تستخفّ بي يا أبا معاذ و أنا شاعر ابن شاعر! فقال له بشّار: فأنت إذا من أهل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرّجس و طهّرهم تطهيرا؛ ثمّ خرج من عنده عقبة مغضبا. فلما كان من غد غدا على عقبة بن سلّم و عنده عقبة بن رؤبة، فأنشده أرجوزته التي مدحه فيها:
يا طلل الحيّ بذات الصّمد [٢]
باللّه خبّر كيف كنت بعدي
أوحشت من دعد و ترب دعد
سقيا لأسماء ابنة الأشدّ
قامت تراءى إذ رأتني وحدي
كالشّمس تحت الزّبرج [٣] المنقدّ
صدّت بخدّ و جلت عن خدّ
ثم انثنت كالنّفس المرتدّ
عهدي بها سقيا له من عهد
تخلف وعدا و تفي بوعد
فنحن من جهد الهوى في جهد
و زاهر من سبط و جعد
أهدى له الدّهر و لم يستهد [٤]
أفواف [٥] نور الحبر المجدّ
يلقى الضّحى ريحانه بسجد
بدّلت من ذاك بكى لا يجدي
وافق حظّا من سعى بجدّ
ما ضرّ أهل النّوك ضعف الجدّ
الحرّ يلحى و العصا للعبد
و ليس للملحف مثل الردّ
/ و النّصف [٦] يكفيك من التعدّي
و صاحب كالدّمّل الممدّ [٧]
/ حملته في رقعة من جلدي
أرقب منه مثل يوم الورد [٨]
حتى مضى غير فقيد الفقد
و ما درى ما رغبتي من زهدي
[١] كان عقبة واليا على البصرة من قبل أبي جعفر المنصور و كان عاتيا جبارا.
[٢] في «معجم ما استعجم» للبكري: الصمد: موضع في ديار بني يربوع. و في «معجم ياقوت»: الصمد: ماء للضباب.
[٣] الزبرج: السحاب، و المنقد: المتقطع.
[٤] استهدى فلان: طلب أن يهدي له.
[٥] الأفواف: جمع فوف و هو نوع من برود اليمن تشبه به الأزهار. و الحبر: جمع حبرة كعنبة و قصبة و هي ضرب من برود اليمن منمر.
[٦] النصف: الإنصاف.
[٧] يقال: أمد الجرح: حدثت فيه المدة فهو ممد.
[٨] الورد: من أسماء الحمى.