الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٠ - حكايات عن قوته
فأنيخاها [١] فإنّ عليها و طبين [٢] من لبن، فاشربا منهما ما بدا لكما. قال فقال له أحدهما: ويحك! انهض يا غلام فأت بذلك اللبن! فقال لهما: إن تك لكما حاجة فستأتيانها فتجدان [٣] الوطبين فتشربان؛ قال فقال أحدهما: إنك يا ابن اللّخناء لغليظ الكلام، قم فاسقنا، ثم دنا من هلال و هو على تلك الحال. و قال لهما، حيث قال له أحدهما:
«إنك يا ابن اللخناء لغليظ الكلام»، أراكما و اللّه ستلقيان هوانا و صغارا؛ و سمعا ذلك منه، فدنا أحدهما فأهوى له ضربا بالسّوط على عجزه و هو مضطجع، فتناول هلال يده فاجتذبه إليه و رماه تحت فخذه ثم ضغطه ضغطة؛ فنادى صاحبه: ويحك أغثني قد قتلني! فدنا/ صاحبه منه، فتناوله هلال أيضا فاجتذبه فرمى به تحت فخذه الأخرى، ثم أخذ برقابهما فجعل يصكّ برءوسهما [٤] بعضا ببعض لا يستطيعان أن يمتنعا منه؛ فقال أحدهما: كن هلالا و لا نبالي [٥] ما صنعت؛ فقال لهما: أنا و اللّه هلال، و لا و اللّه لا تفلتان منّي حتى تعطياني عهدا و ميثاقا لا تخيسان [٦] به: لتأتيانّ المربد [٧] إذا قدمتما البصرة، ثم لتناديانّ بأعلى أصواتكما بما كان منّي و منكما؛ فعاهداه و أعطياه نوطا من التمر الذي معهما، و قدما البصرة فأتيا المربد فناديا بما كان منه و منهما.
و حدّث خالد عن كنيف [٨] بن عبد اللّه المازنيّ قال: كنت يوما مع هلال و نحن نبغي إبلا لنا، فدفعنا إلى قوم من بكر بن وائل و قد لغبنا [٩] و عطشنا، و إذا نحن بفتية شباب عند ركيّة [١٠] لهم/ و قد وردت إبلهم، فلما رأوا هلالا استهولوا خلقه و قامته، فقام رجلان منهم إليه فقال له أحدهما: يا عبد اللّه، هل لك في الصّراع؟ فقال له هلال: أنا إلى غير ذلك أحوج؛ قال: و ما هو؟ قال: إلى لبن و ماء فإنّني لغب ظمآن؛ قال: ما أنت بذائق من ذلك شيئا حتى تعطينا عهدا لتجيبنّنا إلى الصّراع إذا أرحت [١١] و رويت؛ فقال لهما هلال: إنني لكم ضيف، و الضيف لا يصارع [آهله [١٢] و] ربّ منزله، و أنتم مكتفون من ذلك بما أقول لكم: اعمدوا إلى أشدّ فحل في إبلكم و أهيبه صولة و إلى أشدّ رجل منكم ذراعا، فإن لم أقبض على هامة البعير و على يد صاحبكم فلا يمتنع الرجل و لا البعير حتى أدخل يد الرجل في فم البعير، فإن لم أفعل ذلك فقد صرعتموني، و إن فعلته علمتم أن صراع أحدكم أيسر من ذلك. قال: فعجبوا من مقالته تلك، و أومئوا إلى فحل في إبلهم هائج صائل قطم [١٣]؛ فأتاه هلال و معه نفر من
[١] في ء و إحدى روايتي ط: «فاقصداها». و في ط: «فانتحياها».
[٢] الوطب: سقاء اللبن خاصة.
[٣] في ط، ء، ح: «فتحذران». و حدر الشيء: أنزله من علو.
[٤] الجمع في رءوسهما دون التثنية لكراهة اجتماع تثنيتين مع ظهور المراد، و هو في مثل ذلك أكثر استعمالا من التثنية و الإفراد، و في القرآن الكريم: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما.
[٥] كذا في ط، ء. و في سائر النسخ: «و لا تبالي» بالتاء.
[٦] لا تخيسان به: لا تغدران به و لا تنكثان.
[٧] المربد: من أشهر محال البصرة، و كان يكون سوق الإبل فيه قديما ثم صار محلة عظيمة سكنها الناس و به كانت مفاخرات الشعراء و مجالس الخطباء.
[٨] كذا في كذا. و في سائر النسخ: «كفيف» و في «القاموس» و شرحه مادة كنف أنه سمى بكنيف كزبير. و لم نعثر على أنه سمي بكفيف.
[٩] لغبنا: تعبنا و أصابنا الإعياء.
[١٠] الركية: البئر لأنها مركوة أي محفورة.
[١١] أراح الرجل: رجعت إليه نفسه بعد الإعياء.
[١٢] زيادة في ط، أ، م، ء. و الآهل: من قولهم أهل. إذا أنس به.
[١٣] كذا في ط و القطم: الهائج. و في سائر النسخ: «فطم» بالفاء و هو تحريف.