الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٧٠ - هجا المهدي بعد أن مدحه فلما بلغه ذلك أمر بقتله
و إن قصدت زلّت على متنصّب
ذليل القوى لا شيء يفري كما تفري
تلاعب تيّار البحور و ربّما
رأيت نفوس القوم من جريها تجري
قال: و كان قال: «نينان البحور» فعابه بذلك سيبويه [١] فجعله «تيّار البحور».
/
إلى ملك من هاشم في نبوّة
و من حمير في الملك في العدد الدّثر [٢]
من المشترين الحمد تندى من النّدى
يداه و يندي عارضاه من العطر
/ فألزمت حبلي حبل من لا تغبّه
عفاة الندى من حيث يدري و لا يدري
بنى لك عبد اللّه بيت خلافة
نزلت بها بين الفراقد و النّسر
و عندك عهد من وصاة [٣] محمّد
فرعت [٤] به الأملاك من ولد النّضر
هجا المهدي بعد أن مدحه فلما بلغه ذلك أمر بقتله:
فلم يحظ منه أيضا بشيء، فهجاه فقال في قصيدته:
خليفة يزني بعمّاته
يلعب بالدّبّوق [٥] و الصّولجان
أبدلنا اللّه به غيره
و دسّ موسى في حر الخيزران [٦]
و أنشدها في حلقة يونس النّحويّ، فسعي به إلى يعقوب بن داود، و كان بشّار قد هجاه فقال:
بني أميّة هبّوا طال نومكم
إنّ الخليفة يعقوب بن داود
ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا
خليفة اللّه بين الزّقّ و العود
فدخل يعقوب على المهديّ فقال له: يا أمير المؤمنين، إنّ هذا الأعمى الملحد الزنديق قد هجاك؛ فقال: بأيّ شيء؟ فقال: بما لا ينطق به لساني و لا يتوهّمه فكري؛ قال له: بحياتي إلّا أنشدتني! فقال: و اللّه لو خيّرتني بين إنشادي إياه و بين ضرب عنقي لاخترت ضرب عنقي؛ فحلف عليه المهديّ بالأيمان التي لا فسحة فيها أن يخبره؛ فقال: أمّا لفظا فلا، و لكنّي أكتب ذلك، فكتبه و دفعه إليه؛ فكاد/ ينشقّ غيظا، و عمد على الانحدار إلى البصرة للنّظر في أمرها، و ما وكده [٧] غير بشّار، فانحدر، فلما بلغ إلى البطيحة [٨] سمع أذانا في وقت ضحى النّهار،
[١] جمع نون على نينان أثبته صاحب «القاموس» و صاحب «اللسان» و استشهد له بحديث عليّ رضي اللّه عنه: «يعلم اختلاف النينان في البحار الغامرات»، و حكى السيد المرتضى في «شرح القاموس» تخطئة سيبويه لبشار، ثم قال: و استعمله المتنبي و غلطوه أيضا.
[٢] الدثر: الكثير من كل شيء.
[٣] الوصاة: الوصية.
[٤] فرعت: علوت بالشرف، يقال: فرع فلان القوم أي علاهم بالشرف أو الجمال.
[٥] الدبوق: لعبة يلعب بها الصبيان ذكرها صاحب «القاموس» و صاحب «اللسان» في مادة «دبق» و قالا: هي لعبة معروفة، و لم يبيناها.
قال صاحب السعادة أحمد تيمور باشا فيما كتبه في المجلة السلفية المجلد الثاني ص ٩٤ عن لعب العرب في الكلام على هذه اللعبة بعد أن استشهد بهذا الشعر: «و لا ندري هل الصولجان من لوازمه ليكون شيئا كالكرة و نحوها أم هما لعبتان قرن بينهما في شعره».
[٦] الخيزران: جارية من جواري المهديّ و هي أم ولديه موسى و هارون.
[٧] كذا في ح. و وكده: قصده، و في باقي الأصول «وكزه» بالزاي المعجمة.
[٨] البطيحة: أرض واسعة بين واسط و البصرة.