الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٩ - سبب الحرب بين الأوس و الخزرج
و كان يستحسن غناؤه و لا يصبر عن حديثه و يستشهد على معرفته، فغنّى يوما بشعر قيس بن الخطيم في حرب الأوس و الخزرج و هو:
ردّ الخليط الجمال فانصرفوا
ما ذا عليهم لو أنهم وقفوا
لو وقفوا ساعة نسائلهم
ريث يضحّي جماله السّلف
فليت أهلي و أهل أثلة في ال
دّار قريب من حيث نختلف
فلما بلغ إلى آخر بيت غنّى فيه طويس من هذه القصيدة و هو:
أبلغ بني جحجبى و قومهم
خطمة أنّا وراءهم أنف
تكلّموا و انصرفوا و جرت بينهم دماء، و انصرف طويس من عندهم سليما لم يكلّم و لم يقل له شيء.
سبب الحرب بين الأوس و الخزرج:
قال إسحاق فحدّثني الواقديّ و أبو البختريّ [١]، قالا:
قال قيس بن الخطيم هذه القصيدة لشغب أثاره القوم بعد دهر طويل [٢]. و نذكر سبب أوّل ما جرى بين الأوس و الخزرج من الحرب:
/ قال إسحاق قال أبو عبد اللّه اليزيدي [و أبو البختريّ] [٣]، و حدّثني مشايخ لنا قالوا: كانت الأوس و الخزرج أهل عزّ و منعة و هما أخوان لأب و أمّ و هما ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، و أمّهما قيلة بنت جفنة بن عتبة بن عمرو؛ و قضاعة تذكر أنها قيلة بنت كاهل بن عذرة بن سعد بن زيد بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة. و كانت أوّل حرب جرت بينهم في مولى كان لمالك بن العجلان قتله سمير بن يزيد بن مالك، و سمير رجل من الأوس ثم أحد بني عمرو بن عوف، و كان مالك سيد الحيّين [٤] في زمانه، و هو الذي ساق تبّعا إلى المدينة و قتل الفطيون [٥] صاحب زهرة [٦] و أذلّ اليهود للحيّين جميعا، فكان له بذلك الذكر و الشرف عليهم، و كانت دية المولى فيهم- و هو الحليف- خمسا من الإبل، و دية الصريح عشرا، فبعث مالك إلى عمرو بن عوف: ابعثوا إليّ سميرا حتى أقتله بمولاي فإنّا نكره أن تنشب بيننا و بينكم حرب؛ فأرسلوا إليه: إنّا نعطيك الرضا من مولاك فخذ منا
[١] في ب، س: «أبو البحتري».
[٢] في ب، س، ح: «قال قيس بن الخطيم شعرا أثار القوم و هو طويل».
[٣] زيادة في ء، ط و هامش أ.
[٤] في ح، أ، م: «الحضر».
[٥] حدّث عنه «ياقوت» في الكلام على يثرب حيث قال في ج ٤ ص ٤٦٣: «و كان ملك بني إسرائيل يقال له الفيطوان. و في «كتاب ابن الكلبي»: الفطيون بكسر الفاء و الياء بعد الطاء، و كانت اليهود و الأوس و الخزرج يدينون له إلخ». و ذكره ابن الأثير في «الكامل» ج ١ ص ٤٩٢ طبع ليدن سنة ١٨٦٦ م، و ضبط فيه بالقلم بكسر أوله و إسكان ثانيه، فقال ما ملخصه: إنه كان عظيم اليهود بالمدينة و كان رجل سوء فاجرا، و كانت اليهود تدين لهذا الرجل إلى أن كانت لا تزوّج امرأة منهم حتى تدخل عليه قبل دخولها على زوجها، و يقال: إنه كان يفعل ذلك بنساء الأوس و الخزرج، و كانت الغلبة يومئذ لليهود عليهم، حتى جاء زفاف أخت لمالك بن العجلان فأثارت في أخيها عوامل الحمية و الغيرة، فتزيا مالك بزيّ امرأة و تقلد سيفه و اندس فيمن كان معها من النساء و قتل الفطيون، ثم فر هاربا إلى الشأم حتى دخل على أبي جبيلة عبيد بن سالم بن مالك الخزرجي، و كان أثيرا عند ملوك غسان، فشكا إليه حاله، فأقسم أبو جبيلة ليذلنّ اليهود و ليجعلن الغلبة للأوس و الخزرج عليهم. و قد فعل اه بتصرف في العبارة.
[٦] زهرة: القبيلة المعروفة التي ينتسب إليها عبد الرحمن بن عوف الزهري.