الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٨٠ - زارته نعيم و غنته ثم ذهبت فقال شعرا في ذلك
فرأيته في بعض أيّامه متغير الهيئة عمّا عهدته مقسّم القلب و الفكر غير آخذ ما كنّا فيه من الفكاهة و المزاح، فسألته عن حاله فكاتمنيها مليّا، ثم أخبرني أنه يهوى جارية لبعض الهشاميّين يقال لها نعيم، و أن مرامها عليه مستصعب لا يراها إلّا من جناح لدارهم، تشرف عليه في الفيئة [١] بعد الفيئة فتكلّمه كلاما يسيرا ثم تذهب، فعاتبته على ذلك فلم يزدجر و تمادى في أمره، ثم جاءني يوما، فقال: قد وعدتني الزيارة لأنّ شكواي إليها طالت، فقلت له: فهل حقّقت لك الوعد على يوم بعينه؟ قال: لا، إنما سألتها الزيارة فقالت: نعم أفعل، فقلت له: هذا و اللّه أعجب من سائر ما مضى، و أيّ شيء لك في هذا من الفائدة بلا تحصيل وعد! فقال لي: يا أخي، إنّ لي في قولها: «نعم» فرجا كبيرا، فقلت: أنت أقنع الناس؛ ثم جاءني بعد يومين و هو كاسف البال مهموم، فقلت له: ما لك؟ فقال: مضيت إلى نعيم فتنجّزت وعدها، فقالت لي: إن لي صاحبة أستنصحها و أعلم أنها تشفق عليّ شفقة الأخت على أختها و الأمّ على ولدها و قد/ نهتني عن ذلك، و قالت لي: إنّ في الرجال غدرا و مكرا، و لا آمن أن تفتضحي ثم لا تحصلي منه على شيء؛ و قد انقطعت عنّي ثم أنشدني لنفسه:
/
علام حبل الصفاء منصرم
و فيم عنّي الصدود و الصّمم
يا من كنينا عن اسمه زمنا
نتبع مرضاته و يجترم [٢]
قد عيل صبري و أنت لاهية
عنّي و قلبي عليك يضطرم
من جذّ حبل الوفاء سيّدتي
منك و من سامني له العدم
فكم أتاني واش يعيبكم
فقلت اخسأ لأنفك الرّغم
أنت الفدا و الحمى لمن عبت فار
جع صاغرا راغما لك الندم
صوت
يا ربّ خذ لي من الوشاة إذا
قاموا و قمنا إليك نختصم
دبّوا إليها يوسوسون لها
كي يستزلّوا حبيبتي زعموا
هيهات من ذاك ضلّ سعيهم
ما قلبها المستعار يقتسم
يا حاسدينا موتوا بغيظكم
حبلي متين بقولها نعم
باللّه لا تشمتي العداة بنا
كوني كقلبي فلست أتّهم
زارته نعيم و غنته ثم ذهبت فقال شعرا في ذلك:
- الغناء في هذه الأبيات لعريب رمل. و قيل: إنه لغيرها- قال: ثم طال ترداده إليها و استصلاحه لها، فلم ألبث أن جاءتني رقعته في يوم خميس يعلمني أنها قد حصلت عنده و يستدعيني فحضرت، و توارت عنّي ساعة و هو يخبرها أنّه لا فرق بيني و بينه و لا يحتشمني في حل البتّة إلى أن خرجت، فاجتمعنا و شربنا و غنّت غناء حسنا إلى وقت العصر ثم انصرفت، و أخذ دواة و رقعة فكتب فيها:
[١] الفيئة: الحين، و في بعض الأصول «العينة» و لعلها محرفة عن «الفينة» و هي بمعنى الفيئة.
[٢] في الأصول: «و نجترم» بالنون و السياق يأباها.