الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٩ - حكايات عن قوته
حليم في مشاهده إذا ما
حبا الحلماء أطلقها المراء [١]
حميد في عشيرته فقيد [٢]
يطيب عليه في الملأ الثناء
فإن تكن المنية أقصدته [٣]
و حمّ [٤] عليه بالتلف القضاء
فقد أودى به كرم و خير [٥]
و عود بالفضائل و ابتداء
وجود لا يضمّ إليه جودا
مراهنه إذا جدّ الجراء [٦]
كان عاديّ الخلق صبورا على الجوع:
و قال خالد بن كلثوم: كان هلال بن الأسعر، فيما ذكروا، يرد مع الإبل فيأكل ما وجد عند أهله ثم يرجع إليها و لا يتزوّد طعاما و لا شرابا حتى يرجع يوم ورودها، لا يذوق فيما بين ذلك طعاما و لا شرابا، و كان عاديّ الخلق [٧] لا توصف صفته.
حكايات عن قوّته:
قال/ خالد بن كلثوم فحدّثنا عنه من أدركه: أنه كان يوما في إبل له، و ذلك عند الظّهيرة في يوم شديد وقع الشمس محتدم الهاجرة و قد عمد إلى عصاه فطرح عليها كساءه ثم أدخل رأسه تحت كسائه من الشمس، فبينا هو كذلك إذ مرّ به رجلان أحدهما من بني نهشل و الآخر من بني فقيم [٨]، كانا أشدّ تميميّين في ذلك الزمان بطشا، يقال لأحدهما الهيّاج، و قد أقبلا من البحرين و معهما أنواط [٩] من تمر هجر [١٠]، و كان هلال بناحية الصّعاب [١١]؛ فلما انتهيا إلى الإبل، و لا يعرفان هلالا بوجهه و لا يعرفان أن الإبل له، ناديا: يا راعي، أ عندك شراب تسقينا؟ و هما يظنّانه عبدا لبعضهم؛ فناداهما هلال و رأسه تحت كسائه: عليكما الناقة [١٢] التي صفتها كذا في موضع كذا
()
جسور لا يوزع منه روع
يريد أنه ثابت الجنان لا يفزع.
[١] حبا: جمع حبوة و هي الثوب الذي يحتبي به، و اسم للاحتباء بالثوب أي الاشتمال به. و إطلاق الحبا يكنى به عن السفه و الطيش.
و المراء: المجادلة و الملاجة و المخاصمة.
[٢] فقيد: يفتقده العافون و يطلبونه.
[٣] أقصدته: أصابته.
[٤] حم: قضى و قدر.
[٥] الخير: (بالكسر) الشرف.
[٦] مراهنه: مسابقه. و الجراء: مصدر كالمجاراة و هي المسابقة و المفاخرة.
[٧] عاديّ الخلق: عملاق ضخم الجسم، نسبة إلى عاد. و العرب تضرب المثل بأحلام عاد لما تتصور من عظم خلقها، و تزعم أن أحلامها على مقادير أجسامها. قال الشاعر:
كأنما ورثوا لقمان حكمته
علما كما ورثوا الأحلام من عاد
[٨] في ط، أ، م: «بني تيم».
[٩] أنواط: جمع نوط، و النوط: الجلة الصغيرة فيها التمر و نحوه.
[١٠] هجر: مدينة و هي قاعدة البحرين، و قبل ناحية البحرين كلها هجر، و هو الصواب.
[١١] الصعاب: اسم جبل بين اليمامة و البحرين، و قيل: رمال بين البصرة و اليمامة صعبة المسالك.
[١٢] في ب، س، ح: «عليكما بالناقة». و هو كما يتعدى بنفسه يتعدى بالباء.