الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٣٧ - كان إسحاق الموصلي يطعن في شعره و لما أنشد منه سكت
مررت ببشّار فقلت: السّلام عليك يا أبا معاذ؛ فقال: و عليك السلام، أ عبّاد؟ فقلت: نعم؛ قال: إني لحسن الرأي فيك؛ فقلت: ما أحوجني إلى ذلك منك يا أبا معاذ!.
جارى امرأ القيس في تشبيهه شيئين بشيئين:
أخبرني يحيى بن عليّ قال أخبرني محمد بن عمر الجرجانيّ عن أبي يعقوب الخريميّ [١] الشاعر أنّ بشّارا قال: لم أزل منذ سمعت قول امرئ القيس في تشبيهه شيئين بشيئين في بيت واحد حيث يقول:
كأنّ قلوب الطير رطبا و يابسا
لدى و كرها العنّاب و الحشف البالي
أعمل نفسي في تشبيه شيئين بشيئين في بيت حتى قلت:
/
كأنّ مثار النّقع فوق رءوسنا
و أسيافنا ليل تهاوى كواكبه
قال يحيى: و قد أخذ هذا المعنى منصور النّمريّ فقال و أحسن:
ليل من النّقع لا شمس و لا قمر
إلا جبينك و المذروبة الشّرع [٢]
كان إسحاق الموصليّ يطعن في شعره و لما أنشد منه سكت:
أخبرني يحيى بن عليّ قال حدّثني أبي قال: كان إسحاق الموصليّ يطعن على شعر بشّار و يضع منه و يذكر أنّ كلامه مختلف لا يشبه بعضه بعضا؛ فقلنا: أ تقول هذا القول لمن يقول:
صوت
إذا كنت في كلّ الأمور معاتبا
صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحدا أوصل أخاك فإنه
مقارف [٣] ذنب مرّة و مجانبه
إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى
ظمئت و أيّ الناس تصفو مشاربه
- لأبي العبيس بن حمدون في هذه الأبيات خفيف ثقيل بالبنصر- قال عليّ بن يحيى: و هذا الكلام الذي ليس فوقه كلام من الشعر و لا حشو فيه؛ فقال لي إسحاق: أخبرني أبو عبيدة معمر بن المثنّى أن شبيل بن عزرة [٤] الضّبعيّ أنشده هذه الأبيات للمتلمّس، و كان عالما بشعره لأنهما جميعا من بني ضبيعة؛ فقلت له: أ فليس قد ذكر أبو عبيدة أنه قال لبشّار: إن شبيلا أخبره أنها للمتلمّس؛ فقال: كذب و اللّه شبيل، هذا شعري، و لقد مدحت به ابن هبيرة فأعطاني عليه أربعين ألفا. و قد صدق بشّار، قد [٥] مدح في هذه القصيدة ابن هبيرة، و قال فيها:
[١] هكذا أورد شارح «القاموس» هذا الاسم في «المستدرك» في مادة «خرم» و قال: «هو أبو يعقوب إسحاق بن حسان بن قوهي الخريميّ بالضم من شعراء الدولة العباسية، قيل له ذلك لاتصاله بخريم بن عامر بن الحارث المزي المعروف بالناعم، و قيل: لاتصاله بابنه عثمان بن خريم، و قيل: هو مولاهم» و في جميع الأصول «الخزيمي» بالزاي و هو تحريف.
[٢] المذروبة: المحدّدة، و الشرع: المشروعة و المراد بها السيوف.
[٣] مقارف ذنب: مخالطه و مرتكبه، من قارف الخطيئة إذا خالطها.
[٤] ورد هذا الاسم في «القاموس» مادة شبل «عروة» بالراء و الواو و استدرك عليه شارحه فقال: «شبيل بن عروة هكذا في النسخ و الصواب ابن عزوة بالزاي» و كذلك ورد «عزرة» بالزاي في «تاريخ الطبريّ» (قسم ٢ ج ٦ ص ١٩١٣ طبع أوروبا).
[٥] في ب، س: «وقد» بالواو.