الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٢٣ - غناها الغريض بشعر ابن أبي ربيعة
استأذن على عائشة بنت طلحة و كتب لها مع الغريض و أمره أن يغني لها من شعره فوعدته و خرجت من مكة:
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر و الحسين بن يحيى عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن محمد بن سلّام عن ابن جعدبة قال:
لما أن قدمت عائشة بنت طلحة أرسل إليها الحارث بن خالد و هو أمير على مكة: إني أريد السلام عليك، فإذا خفّ عليك أذنت، و كان الرسول الغريض، فقالت له: إنّا حرم، فإذا أحللنا أذنّاك، فلما أحلّت سرت على بغلاتها، و لحقها الغريض بعسفان [١] أو قريب منه، و معه كتاب الحارث إليها:
ما ضرّكم لو قلتم سددا
- الأبيات المذكورة-؛ فلما قرأت الكتاب قالت: ما يدع الحارث باطله! ثم قالت للغريض: هل أحدثت شيئا؟ قال: نعم، فاسمعي، ثم اندفع يغنّي في هذا الشعر؛ فقالت عائشة: و اللّه ما قلنا إلا سددا، و لا أردنا إلا أن نشتري لسانه؛ و أتى على الشعر كلّه، فاستحسنته عائشة، و أمرت له بخمسة آلاف درهم و أثواب، و قالت: زدني، فغنّاها في قول الحارث بن خالد أيضا:
زعموا بأن البين بعد غد
فالقلب مما أحدثوا يجف
و العين منذ أجدّ بينهم
مثل الجمان دموعها تكف
/ و مقالها و دموعها سجم
أقلل حنينك حين تنصرف
تشكو و نشكو ما أشتّ [٢] بنا
كلّ بوشك البين معترف
- إيقاع هذا الصوت ثقيل أوّل مطلق في مجرى الوسطى عن الهشاميّ، و لم يذكر له حماد طريقا- قال: فقالت له عائشة: يا غريض، بحقّي عليك أ هو أمرك أن تغنّيني في هذا الشعر؟ فقال: لا، و حياتك يا سيدتي! فأمرت له بخمسة آلاف درهم، ثم قالت له: غنّني في شعر [٣] غيره؛ فغنّاها [قول [٤] عمر فيها]:
غناها الغريض بشعر ابن أبي ربيعة:
صوت
أجمعت خلّتي مع الفجر بينا [٥]
جلّل [٦] اللّه ذلك الوجه زينا
أجمعت بينها و لم نك منها
لذّة العيش و الشباب قضينا
[١] ذكر ياقوت في «معجمه» عسفان فقال: قال أبو منصور: عسفان منهلة من مناهل الطريق بين الجحفة و مكة، و قال غيره: عسفان بين المسجدين و هي من مكة على مرحلتين، و قيل: عسفان قرية جامعة بها منبر و نخيل و مزارع على ستة و ثلاثين ميلا من مكة و هي حدّتها.
[٢] أشت بنا: فرّق أمرنا.
[٣] في أ، ء، م: «في غير شعره».
[٤] الزيادة عن أ، ء.
[٥] البين: الفراق. و أجمعت بينا: اعتزمته و صممت عليه.
[٦] جلل: عمّ، و منه المجلل: للسحاب الذي يجلل الأرض بالمطر أي يعمها.