الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٢٩ - تظاهر بالحج و خرج لذلك مع سعد بن القعقاع
قال دماذ قال لي أبو عبيدة: قال رجل يوما لبشّار في المسجد الجامع يعابثه: يا أبا معاذ، أ يعجبك الغلام الجادل [١]؟ فقال غير محتشم و لا مكترث: لا، و لكن تعجبني أمّه.
ورد على خالد البرمكيّ بفارس و امتدحه:
أخبرني عمّي قال حدّثنا العنزيّ قال حدّثني محمد بن سهل عن محمد بن الحجّاج قال:
ورد بشّار على خالد بن برمك و هو بفارس فامتدحه؛ فوعده و مطله؛ فوقف على طريقه و هو يريد المسجد، فأخذ بلجام بغلته و أنشده:
/
أظلّت علينا منك يوما سحابة
أضاءت لنا برقا و أبطأ رشاشها [٢]
فلا غيمها يجلي فييأس طامع
و لا غيثها يأتي فيروى عطاشها
فحبس بغلته و أمر له بعشرة آلاف درهم، و قال: لن تنصرف السحابة حتى تبلّك إن شاء اللّه.
تظاهر بالحج و خرج لذلك مع سعد بن القعقاع:
أخبرني يحيى بن عليّ قال حدّثنا الحسن بن عليل قال حدّثني عليّ بن حرب الطائيّ قال حدّثني إسماعيل بن زياد الطائيّ قال:
كان رجل منا يقال له سعد بن القعقاع يتندّم [٣] بشّارا في المجانة، فقال لبشّار و هو ينادمه: ويحك يا أبا معاذ! قد نسبنا الناس إلى الزّندقة، فهل لك أن تحجّ بنا حجّة تنفي ذلك عنا؟ قال: نعم ما رأيت! فاشتريا بعيرا و محملا و ركبا، فلما مرّا بزرارة [٤] قال له: ويحك يا أبا معاذ! ثلاثمائة فرسخ متى نقطعها! مل بنا إلى زرارة نتنعّم فيها، فإذا قفل الحاجّ عارضناهم بالقادسيّة [٥] و جززنا رءوسنا فلم يشكّ الناس أنّا جئنا من الحجّ؛ فقال له بشّار:
نعم ما رأيت لو لا خبث لسانك، و إني أخاف أن تفضحنا. قال: لا تخف. فمالا إلى زرارة فما زالا يشربان الخمر و يفسقان، فلما نزل الحاجّ بالقادسية راجعين، أخذا بعيرا و محملا و جزّا رءوسهما و أقبلا و تلقّاهما الناس يهنّئونهما؛ فقال سعد بن القعقاع:
/
أ لم ترني و بشّارا حججنا
و كان الحجّ من خير التّجارة
خرجنا طالبي سفر بعيد
فمال بنا الطريق إلى زرارة
فآب الناس قد حجّوا و برّوا
و أبنا موقرين من الخساره
[١] الغلام الجادل: اليافع الذي قوي و اشتدّ.
[٢] الرشاش (بكسر الراء): جمع رش (بالفتح) و هو المطر الخفيف.
[٣] كذا في أكثر الأصول، و في ب، س: «ينتدم» بتقديم النون على التاء، و لم نجد في كتب اللغة التي بين أيدينا صيغة من هاتين الصيغتين مستعملة في المعنى الذي يدل عليه سياق الكلام و هو كثرة المنادمة؛ و لعلها «يتقدّم بشارا في المجانة» أي أنه كان أكثر منه مجونا.
[٤] زرارة (بضم أوّله): محلة بالكوفة.
[٥] القادسية: بلدة بينها و بين الكوفة خمسة عشر ميلا، و بينها و بين العذيب أربعة أميال، كانت بها وقعة سعد بن أبي وقاص المشهورة مع الفرس في أيام عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه.