الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٧٢ - وفاة بشار
يتكلّم أن يتفل عن يمينه و شماله و يصفّق بإحدى يديه على الأخرى، ففعل ذلك و أنشد:
يعقوب قد ورد العفاة عشيّة
متعرّضين لسيبك المنتاب [١]
فسقيتهم و حسبتني كمّونة
نبتت لزارعها بغير شراب
/ مهلا لديك فإنّني ريحانة
فاشمم بأنفك و اسقها بذناب [٢]
طال الثواء على تنظّر حاجة
شمطت [٣] لديك فمن لها بخضاب
تعطي الغزيرة [٤] درّها فإذا أبت
كانت ملامتها على الحلّاب
وفاة بشار:
يقول ليعقوب: أنت من المهديّ بمنزلة الحالب من الناقة الغزيرة التي إذا لم يوصل إلى درّها فليس ذلك من قبلها، إنّما هو من منع الحالب منها، و كذلك الخليفة ليس [٥] من قبله لسعة معروفة، إنما هو من قبل السبب إليه.
قال: فلم يعطف ذلك يعقوب عليه و حرمه، فانصرف إلى البصرة مغضبا. فلمّا قدم المهديّ البصرة أعطى عطايا كثيرة و وصل الشعراء، و ذلك كلّه على يدي يعقوب، فلم يعط بشّارا شيئا من ذلك، فجاء بشّار إلى حلقة يونس النّحويّ فقال: هل هاهنا أحد يحتشم [٦]؟ قالوا له: لا؛ فأنشأ بيتا يهجو فيه المهديّ، فسعى به أهل الحلقة إلى يعقوب؛ فقال يونس [٧] للمهديّ: إنّ بشارا زنديق و قامت عليه البيّنة عندي بذلك، و قد هجا أمير المؤمنين، فأمر ابن نهيك بأخذه، و أزف خروجهم فخرجوا و أخرجه ابن نهيك معه في زورق. فلما كانوا بالبطيحة ذكره المهديّ فأرسل إلى ابن نهيك يأمره أن يضرب بشّارا ضرب التلف و يلقيه بالبطيحة، فأمر به فأقيم على صدر السفينة و أمر الجلّادين أن يضربوه ضربا يتلفون فيه نفسه ففعلوا ذلك، فجعل يسترجع [٨]؛ فقال بعض من حضر: أ ما تراه/ لا يحمد اللّه! فقال بشّار: أ نعمة هي فأحمد اللّه عليها! إنّما هي بليّة أسترجع عليها، فضرب سبعين سوطا مات منها و ألقي في البطيحة.
قال يحيى بن عليّ فحكى قعنب بن محرز الباهليّ قال حدّثني محمد بن الحجّاج قال:
لما ضرب بشار بالسّياط و طرح في السفينة قال: ليت عين أبي الشّمقمق رأتني حين يقول:
/
إنّ بشّار بن برد
تيس أعمى في سفينه [٩]
[١] المنتاب: الذي يأتي مرة بعد أخرى.
[٢] ذناب: جمع ذنوب، و الذنوب: الدلو الملأى.
[٣] شمطت: تأخر قضاؤها و طال عليها الأمد، و أصل الشمط أن يخالط سواد الرأس بياض الشيب.
[٤] الغزيرة: الكثيرة الدرّ.
[٥] مرجع ضمير «ليس» المنع.
[٦] يحتشم: يحذر و يهاب محضره، و قد أنكر صاحب «اللسان» مجيء «احتشم» متعديا فقال: و لا يقال: احتشمته، ثم نقل عن الليث في قول القائل: «و لم يحتشم ذلك» أنه من قبيل حذف من و إيصال الفعل إلى المجرور. و جاء في «أساس البلاغة»: «أنا أحتشمك و أحتشم منك: أي أستحي».
[٧] تقدم في (ص ٢٤٢) من هذا الجزء أن الذي أخبر المهدي هو يعقوب فلعل «يونس» هنا سبق قلم من الناسخ.
[٨] يسترجع: يقول: إنا للّه و إنا إليه راجعون.
[٩] كان العرب إذا هجوا إنسانا بالغباوة أو بالنتن قالوا: إنما هو تيس، فإذا أرادوا الغاية في الغباوة قالوا: ما هو إلا تيس في سفينة.
(انظر الحيوان للجاحظ طبع مطبعة التقدم ج ٥ ص ١٣٦).