الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٠٣ - رأى الأصمعي فيه و في مروان بن أبي حفصة
قال: و كان واصل قد بلغ من اقتداره على الكلام و تمكّنه من العبارة أن حذف الراء من جميع كلامه و خطبه و جعل مكانها ما يقوم مقامها.
هو أحد أصحاب الكلام الستة:
أخبرني يحيى بن عليّ قال حدّثني أبي عن عافية بن شبيب قال حدّثني أبو سهيل قال حدّثني سعيد بن سلّام قال:
كان بالبصرة ستّة من أصحاب الكلام: عمرو بن عبيد، و واصل بن عطاء، و بشّار الأعمى، و صالح بن عبد القدّوس، و عبد الكريم بن أبي العوجاء، و رجل من الأزد- قال أبو أحمد: يعني جرير بن حازم- فكانوا يجتمعون في منزل الأزديّ و يختصمون عنده. فأمّا عمرو و واصل فصارا إلى الاعتزال. و أمّا عبد الكريم/ و صالح فصحّحا التوبة. و أمّا بشّار فبقي متحيّرا مخلّطا. و أمّا الأزديّ فمال إلى قول السّمنيّة [١]، و هو مذهب من مذاهب الهند، و بقي ظاهره على ما كان عليه. قال: فكان عبد الكريم يفسد الأحداث؛ فقال له عمرو بن عبيد: قد بلغني أنّك تخلو بالحدث من أحداثنا فتفسده [و تستزلّه] [٢] و تدخله في دينك، فإن خرجت من مصرنا و إلّا قمت فيك مقاما آتي فيه على نفسك؛ فلحق بالكوفة، فدلّ عليه محمد بن سليمان فقتله و صلبه بها. و له يقول بشّار:
/
قل لعبد [٣] الكريم يا ابن أبي العو
جاء بعت الإسلام بالكفر موقا [٤]
لا تصلّي و لا تصوم فإن صم
ت فبعض النّهار صوما رقيقا
لا تبالي إذا أصبت من الخم
ر عتيقا ألّا تكون عتيقا
ليت شعري غداة حلّيت في الجي
د حنيفا حلّيت أم زنديقا
أنت ممّن يدور في لعنة الل
ه صديق لمن ينيك الصديقا [٥]
رأى الأصمعي فيه و في مروان بن أبي حفصة:
أخبرني هاشم بن محمد قال حدّثني الرّياشيّ قال: سئل الأصمعيّ عن بشّار و مروان أيّهما أشعر؟ فقال:
بشّار؛ فسئل عن السبب في ذلك، فقال: لأنّ مروان سلك طريقا كثر من يسلكه فلم يلحق من تقدّمه، و شركه فيه من كان في عصره، و بشّار سلك طريقا لم يسلك و أحسن فيه و تفرّد به، و هو أكثر تصرّفا و فنون شعر و أغزر و أوسع بديعا، و مروان لم يتجاوز مذاهب الأوائل.
/ أخبرني هاشم بن محمد قال حدّثني العنزيّ عن أبي حاتم قال سمعت الأصمعيّ و قد عاد إلى البصرة من بغداد فسأله رجل عن مروان بن أبي حفصة، فقال: وجد أهل بغداد قد ختموا به الشّعراء و بشّار أحقّ بأن يختموهم به من
[١] السمنية (بضم السين و فتح الميم): قوم من أهل الهند دهريون. و قال الجوهري: السمنية: فرقة من عبدة الأصنام تقول بالتناسخ و تنكر وقوع العلم بالأخبار، و هي نسبة إلى «سومنات» بلد بالهند؛ و الدهريون: هم الذين ذهبوا إلى قدم الدهر و إسناد الحوادث إليه، و هم قوم ملحدون لا يؤمنون بالآخرة.
[٢] زيادة في ط، ء. و تستزله: توقعه في الزلل.
[٣] كذا في ء، ط. و في باقي الأصول: «قلت عبد الكريم».
[٤] موقا: حمقا و غباوة.
[٥] في ب، س، ح: «صديقا» بالتنكير.