الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٤٤ - بشار في صباه
كأن شرارة وقعت بقلبي
لها في مقلتي و دمي استنان [١]
إذا أنشدت أو نسمت عليها
رياح الصّيف هاج لها دخان
فعلمت أنها لبشّار، فأتيته فقلت: يا أبا معاذ، ما ذنبي إليك؟ قال: ذنب غراب البين؛ فقلت: هل ذكرتني بغير هذا؟ قال: لا؛ فقلت: أنشدك اللّه ألّا تزيد؛ فقال: امض لشأنك فقد تركتك.
بشار و جعفر بن سليمان:
و نسخت من كتابه: حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني يحيى بن سعيد الأيوزرذي [٢] المعتزليّ قال حدّثني أحمد بن المعذّل عن أبيه قال:
أنشد بشّار جعفر بن سليمان:
أقلّي فإنّا لاحقون و إنّما
يؤخّرنا أنّا يعدّ لنا عدّا
و ما كنت إلا كالأغرّ ابن جعفر
رأى المال لا يبقى فأبقى به حمدا
/ فقال له جعفر بن سليمان: من ابن جعفر؟ قال: الطيّار [٣] في الجنة؛ فقال: لقد ساميت غير مسامى! فقال:
و اللّه ما يقعدني عن شأوه بعد النسب، لكن قلّة النشب [٤]، و إني لأجود بالقليل و إن لم يكن عندي الكثير، و ما على من جاد بما يملك ألّا يهب البدور [٥]؛ فقال له جعفر: لقد هززت أبا معاذ، ثم دعا له بكيس فدفعه إليه.
سئل عن ميله للهجاء دون المديح فأجاب:
و نسخت من كتابه: حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني أحمد بن سعيد الرازيّ عن سليمان بن سليمان العلويّ قال:
قيل لبشّار: إنك لكثير الهجاء! فقال: إني وجدت الهجاء المؤلم آخذ بضبع [٦] الشاعر من المديح الرائع، و من أراد من الشّعراء أن يكرم في دهر اللئام على المديح فليستعدّ للفقر و إلا فليبالغ في الهجاء ليخاف فيعطى.
بشار في صباه:
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا أبو غسّان دماذ عن أبي عبيدة قال:
كان برد أبو بشّار طيّانا حاذقا بالتّطيين، و ولد له بشّار و هو أعمى، فكان يقول:/ ما رأيت مولودا أعظم بركة منه، و لقد ولد لي و ما عندي درهم فما حال الحول حتى جمعت مائتي درهم. و لم يمت برد حتى قال بشّار الشّعر.
و كان لبشّار أخوان يقال لأحدهما: بشر، و للآخر: بشير، و كانا قصّابين و كان بشّار بارّا بهما، على أنه كان ضيّق
[١] الاستنان: الجريان بشدّة.
[٢] كذا في ب، س، أ، ء، و في م: «الأيوزردي» و في ح: «الأريوزذي».
[٣] الطيار لقب جعفر بن أبي طالب، و سبب هذا اللقب أنه أخذ الراية في غزوة «موتة» بعد زيد بن حارثة فقاتل حتى قطعت يداه و مات، فأخبر النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم بأنه يطير مع الملائكة في السماء، و كان ابن عمر إذا سلّم على عبد اللّه بن جعفر قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين. (انظر «البخاري بشرح القسطلاني» ج ٦ ص ١٤٣ طبع بولاق).
[٤] كذا في ء، أ، ح و في باقي النسخ: «النسب» و هو تصحيف.
[٥] البدور: جمع بدرة و هي كيس فيه ألف أو عشرة آلاف درهم أو سبعة آلاف دينار.
[٦] الضبع: العضد.