الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٩٧ - صوت من المائة المختارة
أمير المؤمنين فهل تحسن أن تحدو؟ قال: لا، و لكني أستعمل حداء، قال: فإن منزلي بحذاء منزل أمير المؤمنين فإن وافقت منه طيب نفس أرسلت إليك، و مضى إلى عبد الملك فلما رآه طيّب النفس أرسل إلى ابن مسجح و أخرج رأسه من وراء شرف القصر ثم حدا:
/
إنك يا معاذ يا ابن الفضّل
إن زلزل الأقدام لم تزلزل
عن دين موسى و الكتاب المنزل
تقيم أصداغ [١] القرون الميّل
للحقّ حتى ينتحوا للأعدل
فقال عبد الملك للقرشيّ: من هذا؟ قال: رجل حجازيّ قدم عليّ، قال: أحضره فأحضره له، و قال له: أحد مجدّا، ثم قال له: هل تغنّي غناء الركبان؟ قال: نعم، قال: غنّه، فتغنّى، فقال له: فهل تغنّي الغناء المتقن؟ قال:
نعم، قال: غنّه، فتغنّى فاهتزّ عبد الملك طربا، ثم قال له: أقسم إن لك في القوم لأسماء/ كثيرة، من أنت؟ ويلك! قال له: أنا المظلوم المقبوض ماله المسيّر عن وطنه سعيد بن مسجح، قبض مالي عامل الحجاز و نفاني، فتبسّم عبد الملك ثم قال له: قد وضح عذر فتيان قريش في أن ينفقوا عليك أموالهم، و أمّنه و وصله و كتب إلى عامله بردّ ماله عليه و ألّا يعرض له بسوء.
صوت من المائة المختارة
سلا دار ليلى هل تبين فتنطق
و أنّى تردّ القول بيداء سملق [٢]
و أنّى تردّ القول دار كأنها
لطول بلاها و التقادم مهرق [٣]
عروضه من الطويل، الشّعر لابن المولى. و ذكر يحيى بن عليّ بن يحيى عن إسحاق أن الشعر للأعشى؛ و ذلك غلط، و قد التمسناه في شعر كل أعشى ذكر في شعراء العرب فلم نجده، و لا رواه أحد من الرّواة لأحد منهم، و وجدناه في شعر ابن المولى من قصيدة له طويلة جيّدة، و قد أثبتناها بعقب أخباره ليوقف على صحّة ما ذكرناه، إذ كان الغلط إذا وقع من مثل هذه الجهة احتيج إلى إيضاح الحجّة على ما خالفه و الدّلالة على الصواب فيه. و الغناء في اللحن المختار لعطرّد ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق و يونس و عمرو، و فيه لأيّوب زهرة خفيف ثقيل بالوسطى عن الهشاميّ و أحمد بن المكيّ. و في غناء أيّوب زهرة زيادة بيتين و هما:
و قال خليلي و البكا لي غالب
أ قاض عليك ذا الأسى و التشوّق
[١] في جميع الأصول «أصداع» بالعين المهملة و هو تحريف، و الصواب ما أثبتناه لأنه من صدغ يصدغ صدوغا و صدغا بمعنى مال و منه «لأقيمن صدغك» أي ميلك.
[٢] السملق: القاع المستوى الأملس الذي لا شجر فيه.
[٣] المهرق: الصحيفة، و من عادة العرب تشبيه الديار و المنازل إذا عفت و أقوت بالصحف و الكتابة، قال امرؤ القيس:
أنت حجج بعدي عليها فأصبحت
فخط زبور في مصاحف رهبان
و قال العجاج:
يا صاح ما هاج الدموع الذرفا
من طلل أمسى تخال المصحفا
و المصحف: الصحيفة.