الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٨٥ - رأى بلالا يعذب لإسلامه فقال شعرا
ما ذا ترى؟ فأخبره رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم خبر ما رأى فقال ورقة: هذا الناموس [١] الذي أنزله اللّه تبارك و تعالى على موسى؛ يا ليتني فيها جذع [٢]، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك؛ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه سلّم: «أ و مخرجيّ هم» قال ورقة: نعم، لم يأت رجل قطّ بمثل [٣] ما جئت به إلا عودي، و إن يدركني يومك لأنصرنّك نصرا مؤزّرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفّي.
رأى بلالا يعذب لإسلامه فقال شعرا:
قال الزّبير حدّثني عثمان عن الضحّاك بن [٤] عثمان عن عبد الرحمن بن أبي الزّناد قال قال عروة: كان بلال لجارية من بني جمح بن عمرو، و كانوا يعذّبونه برمضاء [٥] مكة، يلصقون ظهره بالرّمضاء ليشرك باللّه؛ فيقول: أحد أحد؛ فيمرّ عليه ورقة/ بن نوفل و هو على ذلك يقول: أحد أحد، فيقول ورقة بن نوفل: أحد أحد و اللّه يا بلال! و اللّه لئن قتلتموه لاتّخذته حنانا [٦] كأنه يقول: لأتمسّحنّ به. و قال ورقة بن نوفل في ذلك:
لقد نصحت لأقوام و قلت لهم
أنا النذير فلا يغرركم أحد
لا تعبدنّ [٧] إلها غير خالقكم
فإن دعوكم فقولوا بيننا حدد [٨]
سبحان ذي العرش سبحانا نعوذ به
و قبل قد سبّح الجوديّ و الجمد [٩]
مسخّر كلّ ما تحت السماء له
لا ينبغي أن يناوي ملكه أحد
لا شيء مما ترى تبقى بشاشته
يبقى الإله و يودي المال و الولد
لم تغن عن هرمز يوما خزائنه
و الخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
و لا سليمان إذ دان الشّعوب له
و الجنّ و الإنس تجري بينها البرد [١٠]
[١] الناموس في الأصل: صاحب السر أو صاحب سر الوحي، و المراد به جبريل عليه السّلام.
[٢] الجذع: الشاب الحدث، أي يا ليتني أكون شابا حين تظهر نبوّته حتى أبالغ في نصرته.
[٣] كذا في «صحيح البخاريّ». و في جميع الأصول: «بما جئت إلخ».
[٤] كذا في ء، ط و سيذكر كذلك أكثر من مرة باتفاق الأصول، و في أكثر الأصول هنا، «الضحاك عن عثمان عن عبد الرحمن ...» و هو تحريف. و الضحاك بن عثمان إما أن يكون الضحاك بن عثمان بن الضحاك بن عثمان المتوفى سنة ثمانين و مائة و هو الذي وصفه الزبير بن بكار بأنه كان علامة قريش بأخبار العرب و أيامها و أشعارها و أحاديث الناس و هو الذي يروي الزبير بن بكار عن ابنه محمد كما سيأتي في ص ١٢٣، و إما أن يكون الضحاك بن عثمان جده المتوفى سنة ثلاث و خمسين و مائة، لأن كلا منهما عاصر عبد الرحمن بن أبي الزناد الذي ولد سنة مائة و توفي سنة أربع و سبعين و مائة.
[٥] الرمضاء: الأرض الحامية من شدة حر الشمس.
[٦] شرح «اللسان» هذه العبارة في مادة «حنن» فقال: الحنان: الرحمة و العطف، و الحنان: الرزق و البركة؛ أراد لأجعلن قبره موضع حنان أي مظنة من رحمة اللّه تعالى فأتمسح به متبركا كما يتمسح بقبور الصالحين الذين قتلوا في سبيل اللّه من الأمم الماضية فيرجع ذلك عارا عليكم و سبة عند الناس، و ضعف هذا الحديث بأن ورقة مات قبل مبعث النبي صلّى اللّه عليه و سلّم و بلال ما عذب إلا بعد أن أسلم، و هو ضعيف الإسناد لأنه مرسل و عروة تابعي لم يدرك عصر النبوة.
[٧] في ب، س، أ، م: «لا تعبدون».
[٨] كذا في ط، و «اللسان» مادة «حدد»، و الحدد (بالتحريك): المنع، يقال: دونه حدد أي منع. و في باقي الأصول: «جدد» بالجيم و هو تحريف.
[٩] في أ، م، ح: «نعود له» و هي رواية الرياشي: أي نعاوده مرة بعد أخرى، و في «اللسان» في مادتي جود و جمد: «يعود له» و في «معجم ياقوت»: «يدوم له» و الجودي: جبل بالجزيرة استوت عليه سفينة نوح عليه السّلام، و الجمد: جبل بنجد.
[١٠] البرد: جمع بريد و هو الرسول: و قد ورد البيت الثالث من هذه الأبيات في «كتاب سيبويه» غير معزو لأحد ذهب أكثر شراحه إلى أنه لأمية بن الصلت و قال بعضهم: إنه لزيد بن عمرو بن نفيل، و صوّب البغدادي في «الخزانة» ج ٢ ص ٣٩ أن هذا الشعر لورقة بن