الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٤ - قتل رجلا من بني جلان استجار بمعاذ فقبض عليه للثأر منه، ثم فر إلى اليمن و شعره في ذلك
فحمل معروضا على بعير و ركبت أخته جماء [١] بنت الأسعر معه، و جعل يقول: قتلتني بنو جعدة! و تأتيه أخته بمغرة [٢] فيشربها فيقال: يمشي [٣] بالدّم، لأن بني جعدة فرثوا [٤] كبده في جوفه. فلمّا بلغوا أدنى بلاد بكر بن وائل قال الجلّانيّون لمعاذ و أصحابه: أدام اللّه عزّكم، و قد وفيتم فانصرفوا. و جعل هلال يريهم أنّه يمشي في اللّيلة عشرين مرّة. فلمّا ثقل الجلّانيّ و تخوّف هلال أن يموت من ليلته أو يصبح ميّتا، تبرّز هلال كما كان يصنع و في رجله الأدهم كأنه يقضي حاجة، و وضع كساءه على عصاه في ليلة ظلماء، ثم اعتمد على الأدهم فحطمه، ثم طار تحت ليلته على رجليه، و كان أدلّ الناس فتنكّب الطّريق التي تعرف و يطلب فيها/ و جعل يسلك المسالك التي لا يطمع فيها. حتّى انتهى إلى رجل من بني أثاثة بن مازن يقال له السّعر بن يزيد بن طلق [٥] بن جبيلة بن أثاثة بن مازن، فحمله السّعر على ناقة له يقال لها ملوة، فركبها ثمّ تجنّب بها الطريق/ فأخذ نحو بلاد قيس بن عيلان، تخوّفا من بني مازن أن يتبعوه أيضا فيأخذوه، فسار ثلاث ليال و أيّامها حتّى نزل اليوم الرّابع، فنحر الناقة فأكل لحمها كلّه إلا فضلة فضلت منها فاحتملها، ثم أتى بلاد اليمن فوقع بها، فلبث زمانا و ذلك عند مقام [٦] الحجاج بالعراق، فبلغ إفلاته من بالبصرة من بكر بن وائل، فانطلقوا إلى الحجّاج فاستعدوه و أخبروه بقتله صاحبهم؛ فبعث الحجاج إلى عبد اللّه بن شعبة بن العلقم، و هو يومئذ عريف بني مازن حاضرتهم و باديتهم، فقال له: لتأتينّي بهلال أو لأفعلنّ بك و لأفعلن؛ فقال له عبد اللّه بن شعبة: إن أصحاب هلال و بني عمّه قد صنعوا كذا و كذا: فاقتصّ عليه ما صنعوا في طلبه و أخذه و دفعه إلى الجلّانيّين و تشييعهم إيّاه حتّى وردوا بلاد بكر بن وائل؛ فقال له الحجّاج: ويلك! ما تقول؟
قال فقال بعض البكريّين: صدق، أصلح اللّه الأمير؛ قال فقال الحجّاج: فلا يرغم اللّه إلّا أنوفكم [٧]، اشهدوا أنّي قد آمنت كلّ قريب لهلال و حميم و عريف و منعت من أخذ أحد به و من طلبه حتّى يظفر به البكريّون أو يموت قبل ذلك.
فلمّا وقع هلال إلى بلاد اليمن بعث إلى بني رزام بن مازن [٨] بشعر يعاتبهم فيه و يعظّم عليهم حقّه و يذكر قرابته، و ذلك أنّ سائر بني مازن قاموا ليحملوا ذلك الدّم، فقال معاذ:/ لا أرضى و اللّه أن يحمل لجاري دم واحد حتى يحمل له دم و لجواري دم آخر، و إن أراد هلال الأمان وسطنا حمل له دم ثالث؛ فقال هلال في ذلك:
بني مازن لا تطردوني فإنّني
أخوكم و إن جرّت جرائرها [٩] يدي
و لا تثلجوا أكباد بكر بن وائل
بترك أخيكم كالخليع المطرّد
و لا تجعلوا حفظي بظهر و تحفظوا
بعيدا ببغضاء يروح و يغتدي [١٠]
فإنّ القريب حيث كان قريبكم
و كيف بقطع الكفّ من سائر اليد
[١] كذا في ب، س، ح. و في ء، أ، م «حماء» بالحاء المهملة و المد و في ط: «حما» بالحاء المهملة مقصورا.
[٢] المغرة (بالفتح و بالتحريك): طين أحمر يصبغ به.
[٣] أمشى الرجل: استطلق بطنه من دواء تناوله.
[٤] فرثوا كبده: ضربوها و هو حيّ.
[٥] في ط، ء: «علق» و في أ، م: «على».
[٦] كذا في ب، س، ح. و في باقي الأصول: «عند مقدم الحجاج العراق».
[٧] كذا في أكثر الأصول، و في س: «أنوفهم».
[٨] كذا في ط، ح، ء. و في سائر النسخ: «مالك» و مالك جد رزام لا أبوه (راجع أول هذه الترجمة).
[٩] الجرائر: جمع جريرة و هي الذنب و الجناية.
[١٠] كذا في ط، ء. و هو الأقرب إلى الصواب. و في باقي النسخ: «تروح و تغتدي» بالتاء.