الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٦ - أخذه بثأر أبيه و جده و استعانته في ذلك بخداش بن زهير
بقاتل جدّه بذي المجاز [١]، فلما أصابه وجده في ركب عظيم من قومه، و لم يكن معه إلا رهط من الأوس، فخرج حتى أتى حذيفة بن بدر الفزاريّ، فاستنجده فلم ينجده، فأتى خداش بن زهير فنهض معه ببنى عامر حتى أتوا قاتل عديّ، فإذا هو واقف على راحلته في السّوق، فطعنه قيس بحربة فقتله، ثم استمرّ. فأراده رهط الرجل، فحالت بنو عامر دونه؛ فقال في ذلك قيس بن الخطيم:
ثأرت عديّا و الخطيم فلم أضع
ولاية أشياخ جعلت [٢] إزاءها
ضربت بذي الزّجّين [٣] ربقة [٤] مالك
فأبت بنفس قد أصبت شفاءها
و سامحني [٥] فيها ابن عمرو بن عامر
خداش فأدّى نعمة و أفاءها
طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر
لها نفذ لو لا الشّعاع [٦] أضاءها
ملكت [٧] بها كفّي فأنهرت [٨] فتقها
يرى قائم من دونها ما وراءها
هذه رواية ابن الأعرابيّ عن المفضّل. و أما ابن الكلبيّ فإنه ذكر أن رجلا من قريش أخبره عن أبي عبيدة أن محمد بن عمّار بن ياسر، و كان عالما بحديث الأنصار، قال:
كان من حديث قيس بن الخطيم أن جدّه عديّ بن عمرو قتله رجل من بني عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة يقال له مالك، و قتل أباه الخطيم بن عديّ رجل من عبد القيس [٩] ممن يسكن هجر؛ و كان قيس يوم قتل أبوه صبيا صغيرا، و قتل الخطيم قبل أن يثأر بأبيه عديّ؛ فخشيت أمّ قيس على ابنها أن يخرج فيطلب بثأر أبيه و جده فيهلك، فعمدت إلى كومة من تراب عند باب دارهم، فوضعت عليها أحجارا تقول لقيس: هذا قبر أبيك و جدّك، فكان قيس لا يشكّ أن/ ذلك على ذلك. و نشأ أيّدا شديد الساعدين، فنازع يوما فتى من فتيان بني ظفر، فقال له ذلك الفتى: و اللّه لو جعلت شدّة ساعديك على قاتل أبيك و جدّك لكان خيرا لك من أن تخرجها عليّ؛ فقال: و من قاتل أبي و جدي؟ قال: سل أمّك تخبرك؛ فأخذ السيف و وضع قائمه على الأرض و ذبابه [١٠] بين ثدييه و قال لأمه:
أخبريني من قتل أبي و جدّي؟ قالت: ماتا كما يموت الناس و هذان قبراهما بالفناء؛ فقال: و اللّه لتخبرينني [١١] من قتلهما أو لأتحاملنّ على هذا السيف حتى يخرج من ظهري؛ فقالت: أمّا جدّك فقتله رجل من بني عمرو بن عامر بن
[١] ذو المجاز: موضع بعرفة، و كانت تقام فيه في الجاهلية سوق من أسواق العرب.
[٢] جعلت إزاءها: جعلت القيم عليها، يقال: هو إزاء مال أي يقوم عليه و يتعهده.
[٣] في «ديوانه» و ط، ء: «بذي الزرين». و الزر: حد السيف. و الزج: الحديدة في أسفل الرمح. و قد ذكرت في شرح ديوانه رواية أخرى:
«بذي الخرصين» و ربما رجحها ما سيأتي بعد من حكاية قيس مع خداش و كيف كان قتله لمالك قاتل جده.
[٤] الربقة: العروة، يريد موضعها.
[٥] سامحني: تابعني و وافقني.
[٦] النفذ: الثقب. و الشعاع: حمزة الدم. و يروى: «الشعاع» بفتح الشين و هو انتشار الدم. يريد: لو لا الدم لأضاءها النفذ حتى تستبين.
[٧] ملكت: شددت و ضبطت.
[٨] أنهرت: أوسعت.
[٩] انظر الحاشية رقم ٣ ص ٢ من هذا الجزء.
[١٠] ذباب السيف: طرفه الذي يضرب به.
[١١] كذا في الأصول: من غير توكيد و هذا الوجه يجيزه الكوفيون، و البصريون يوجبون توكيد الفعل في مثل هذا الموضع بالنون (انظر «الأشموني» ج ٢ ص ٤٣٧ طبع بولاق).