الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٩ - قصته مع هزلي أغار على فرسه
قصته مع هزلي أغار على فرسه:
نسخت من «كتاب أحمد بن القاسم بن يوسف» قال حدّثني حرّ [١] بن قطن أنّ ثمامة بن الوليد دخل على المنصور؛ فقال: يا ثمامة، أتحفظ حديث ابن عمّك عروة الصّعاليك بن الورد العبسيّ؟ فقال: أيّ حديثه يا أمير المؤمنين؟ فقد كان كثير الحديث حسنه؛ قال: حديثه مع الهذليّ الذي أخذ فرسه؛ قال: ما يحضرني ذلك فأرويه يا أمير المؤمنين؛ فقال المنصور: خرج عروة حتّى دنا من منازل هذيل فكان منها على نحو ميلين و قد جاع فإذا هو بأرنب فرماها ثم أورى نارا فشواها و أكلها و دفن النّار على مقدار ثلاث أذرع و قد ذهب اللّيل و غارت النّجوم، ثمّ أتى سرحة [٢] فصعدها و تخوّف الطّلب، فلما تغيّب فيها إذ الخيل قد/ جاءت و تخوّفوا البيات [٣]. قال:
فجاءت جماعة منهم و معهم رجل على فرس فجاء حتى ركز رمحه في موضع النّار و قال: لقد رأيت النّار هاهنا؛ فنزل رجل فحفر قدر ذراع فلم يجد شيئا، فأكبّ القوم على الرّجل [٤] يعذلونه و يعيبون أمره و يقولون: عنّيتنا في مثل هذه اللّيلة القرّة و زعمت لنا شيئا كذبت فيه؛ فقال: ما كذبت، و لقد رأيت النّار في موضع رمحي؛ فقالوا: ما رأيت شيئا و لكن تحذلقك [٥] و تدهّيك [٦] هو الذي حملك على هذا،/ و ما نعجب إلّا لأنفسنا حين أطعنا أمرك و اتّبعناك؛ و لم يزالوا بالرجل حتّى رجع عن قوله لهم. و اتّبعهم عروة، حتّى إذا وردوا منازلهم جاء عروة فتكمّن [٧] في كسر [٨] بيت؛ و جاء الرّجل إلى امرأته و قد خالفه إليها عبد أسود، و عروة ينظر، فأتاها العبد بعلبة فيها لبن فقال: اشربي؛ فقالت لا، أو تبدأ، فبدأ الأسود فشرب؛ فقالت للرجل حين جاء: لعن اللّه صلفك [٩]! عنّيت قومك منذ اللّيلة؛ قال: لقد رأيت نارا، ثمّ دعا بالعلبة ليشرب، فقال حين ذهب ليكرع: ريح رجل و ربّ الكعبة! فقالت امرأته: و هذه أخرى، أيّ [١٠] ريح رجل تجده في إنائك غير ريحك! ثم صاحت، فجاء قومها فأخبرتهم خبره، فقالت: يتّهمني و يظنّ بي الظّنون! فأقبلوا عليه باللّوم حتّى رجع عن قوله؛ فقال عروة: هذه ثانية. قال ثم أوى الرجل إلى فراشه، فوثب عروة إلى الفرس و هو يريد أن يذهب به، فضرب الفرس بيده و تحرّك [١١]، فرجع عروة إلى موضعه، و وثب الرجل فقال: ما كنت لتكذبيني [١٢] فمالك؟ فأقبلت عليه امرأته لوما و عدلا. قال: فصنع عروة ذلك
[١] في ط، ء: «جزء». و في أ، م: «جز» بدون همزة. و الذي في «شرح القاموس» مادة: قطن «و قطن أبو حرب» و كلاهما محدّث، و ورد له ذكر في الطبري قسم ٢ ص ١٩٨٠ طبع أوروبا، فلعل ما هاهنا تحريف عن «حرب».
[٢] السرحة: واحدة السرح و هو شجر كبار عظام طوال لا ترعى و إنّما يستظل به، و قيل: السرح كل شجر طال.
[٣] البيات: الإيقاع بالقوم ليلا من دون أن يعلموا، و هو اسم مصدر لبيت كالكلام من كلم، يقال: بيتنا القوم أي أوقعنا بهم ليلا و هم لا يعلمون.
[٤] في ء، ح، ط: «فركب القوم الرجل يعذلونه» و المعنى علوه بعذلهم.
[٥] التحذلق: إظهار الإنسان الحذق، أو ادعاؤه أكثر مما عنده.
[٦] كذا في أكثر النسخ، و التدهي: أن يفعل الإنسان فعل الدهاة. و في ب، س، ح: «تداهيك» و لم نجد في «اللسان» و لا في «القاموس» «تفاعل» من هذه المادة.
[٧] كذا في أكثر الأصول. و لم نجد في «اللسان» و لا في «القاموس» «تفعّل» من هذه المادة، و إنما يقال: «كمن» و «اكتمن» أي اختفى.
و في ط: «فتمكن».
[٨] كسر البيت: جانبه.
[٩] كذا في أكثر النسخ، و الصلف: مجاوزة الرجل قدر الظرف و ادعاؤه فوق ذلك إعجابا و تكبرا. و في ب، س، ح: «صلبك» بالباء.
[١٠] كذا في أكثر النسخ. و في ب، س، ح: «و أي ريح» بزيادة الواو.
[١١] كذا في أ، م. و في سائر النسخ: «و نخر».
[١٢] في ب، س: «لتكذبيني» و هو تحريف، و الفرس يقع على الذكر و الأنثى و المراد به هنا الذكر كما يدل عليه السياق فيما بعد.