الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٤ - خبر عروة مع سلمى سبيته و فداء أهلها بها
ثم أقبل سائرا حتى نزل ببني النّضير، فلما رأوها أعجبتهم فسقوه الخمر، ثم استوهبوها منه فوهبها لهم، و كان لا يمسّ النساء، فلما أصبح و صحا ندم فقال:
سقوني الخمر ثم تكنّفوني
الأبيات. قال: و جلاها [١] النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم مع من جلا من بني النضير.
/ و ذكر أبو عمرو الشّيبانيّ من خبر عروة بن الورد و سلمى هذه أنه أصاب امرأة من بني كنانة بكرا يقال لها سلمى و تكنى أمّ وهب، فأعتقها و اتّخذها لنفسه، فمكثت عنده بضع عشرة سنة و ولدت له أولادا و هو لا يشكّ في أنها أرغب الناس فيه، و هي تقول له: لو حججت بي فأمرّ على أهلي و أراهم! فحجّ بها، فأتى مكة ثم أتى المدينة، و كان يخالط من أهل يثرب بني النّضير فيقرضونه إن احتاج و يبايعهم [٢] إذا غنم، و كان قومها يخالطون بني النّضير، فأتوهم و هو عندهم؛ فقالت لهم سلمى: إنه خارج بي قبل أن يخرج الشهر الحرام، فتعالوا إليه و أخبروه أنكم تستحيون أن نكون امرأة منكم معروفة النسب صحيحته سبيّة، و افتدوني منه فإنه لا يرى أنّي أفارقه و لا أختار عليه أحدا، فأتوه فسقوه الشّراب، فلمّا ثمل قالوا له: فادنا بصاحبتنا فإنها وسيطة [٣] النسب فينا معروفة، و إنّ علينا سبّة أن تكون سبيّة، فإذا صارت إلينا و أردت معاودتها فاخطبها إلينا فإننا ننكحك؛ فقال لهم: ذاك لكم، و لكن لي الشرط فيها أن تخيّروها، فإن اختارتني انطلقت معي إلى ولدها و إن اختارتكم انطلقتم/ بها؛ قالوا: ذاك لك؛ قال:
دعوني أله بها الليلة و أفادها [٤] غدا، فلمّا كان الغد جاءوه فامتنع من فدائها؛ فقالوا له: قد فاديتنا بها منذ البارحة، و شهد عليه بذلك جماعة ممّن حضر، فلم يقدر على الامتناع و فاداها، فلما فادوه بها خيّروها فاختارت أهلها، ثم أقبلت عليه فقالت: يا عروة أما إنّي أقول فيك و إن فارقتك الحقّ: و اللّه ما أعلم امرأة من العرب ألقت سترها على بعل خير منك و أغضّ طرفا و أقلّ فحشا و أجود يدا و أحمى لحقيقة [٥]؛ و ما مرّ عليّ يوم منذ كنت عندك إلا و الموت فيه أحبّ إليّ من الحياة بين/ قومك، لأنّي لم أكن أشاء أن أسمع امرأة من قومك تقول: قالت أمة عروة كذا و كذا إلا سمعته؛ و و اللّه لا أنظر في وجه غطفانيّة أبدا، فارجع راشدا إلى ولدك و أحسن إليهم. فقال عروة في ذلك:
سقوني الخمر ثم تكنّفوني
و أوّلها:
أرقت و صحبتي بمضيق عمق [٦]
لبرق من تهامة مستطير
سقى سلمى و أين ديار سلمى
إذا كانت مجاورة السّرير [٧]
[١] كذا في ح. وجلا متعدّ و لازم كأجلى. و في سائر النسخ «أجلاها».
[٢] و يبايعهم: يعقد معهم البيع.
[٣] وسيطة النسب: حسيبة في قومها كريمة.
[٤] في جميع النسخ: «و أفاديها» بإثبات الياء.
[٥] في ب، س، ح: «لحقيقته» و الحقيقة: ما يجب على الرجل أن يحميه و ما لزمه الدفاع عنه من أهل بيته.
[٦] عمق: موضع قرب المدينة من بلاد مزينة.
[٧] كذا في إحدى روايتي ط و هو الموافق لما ذكره ياقوت في «معجمه» من أن السرير موضع في بلاد بني كنانة مستشهدا بهذا البيت.
و في سائر النسخ: «السدير» و هو تحريف.