الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٣ - قتل رجلا من بني جلان استجار بمعاذ فقبض عليه للثأر منه، ثم فر إلى اليمن و شعره في ذلك
جعدة بن ثابت، و هي جدّة أبي السّفّاح زهيد [١] بن عبد اللّه بن مالك أمّ أبيه، فتعلّقت بثوب هلال، ثم قالت: أي عدوّ اللّه قتلت جارنا! و اللّه لا تفارقني حتى يأتيك رجالنا! قال هلال: و المحور في يدي لم أضعه؛ قال: فهممت أن أعلو به رأس خولة، ثم قلت في نفسي: عجوز لها سنّ و قرابة! قال: فضربتها برجلي ضربة رميت بها من بعيد، ثم أتيت/ ناقتي فأركبها [٢] ثم أضربها هاربا. و جاء معاذ بن جعدة و إخوته- و هم يومئذ تسعة إخوة- و عبد اللّه بن مالك زوج لبنت معاذ [و] [٣] يقال لها جبيلة، و هو مع/ ذلك ابن عمتهم خولة بنت يزيد بن ثابت، فهو معهم كأنه بعضهم؛ فجاءوا من آخر النهار فسمعوا الواعية [٤] على الجلّانيّ و هو دنف لم يمت، فسألوا عن تلك الواعية فأخبروا بما كان من استجارة الجلّانيّ بمعاذ بن جعدة و ضرب هلال له من بعد ذلك؛ فركب الاخوة التسعة و عبد اللّه بن مالك عاشرهم، و كانوا أمثال الجبال في شدّة خلقهم مع نجدتهم، و ركبوا معهم بعشرة غلمة لهم أشدّ منهم خلقا لا يقع لأحد منهم سهم في غير موضع يريده من رميّته، حتى تبعوا هلالا؛ و قد نسل [٥] هلال من الهرب يومه ذلك كلّه و ليلته، فلما أصبح أمنهم و ظنّ أن قد أبعد في الأرض و نجا منهم؛ و تبعوه، فلما أصبحوا من تلك الليلة قصّوا [٦] أثره، و كان لا يخفى أثره على أحد لعظم قدمه، فلحقوه من بعد الغد، فلما أدركوه و هم عشرون و معهم النّبل و القسيّ و السيوف و التّرسة [٧]، ناداهم: يا بني جعدة، إني أنشدكم اللّه! أن أكون قتلت رجلا غريبا طلبته بترة تقتلوني و أنا ابن عمّكم! و ظنّ أنّ الجلّانيّ قد مات، و لم يكن مات إلى أن تبعوه و أخذوه؛ فقال معاذ: و اللّه لو أيقنّا أنه قد مات ما ناظرنا بك [٨] القتل من ساعتنا و لكنّا تركناه و لم يمت، و لسنا نحبّ قتلك إلّا أن تمتنع منا، و لا نقدم عليك حتى نعلم ما يصنع جارنا؛ فقاتلهم و امتنع منهم، فجعل معاذ يقول لأصحابه و غلمانه: لا ترموه/ بالنبل و لا تضربوه بالسيوف، و لكن ارموه بالحجارة و اضربوه بالعصيّ حتى تأخذوه؛ ففعلوا ذلك، فما قدروا على أخذه حتى كسروا من إحدى يديه ثلاث أصابع و من الأخرى إصبعين، و دقّوا ضلعين من أضلاعه و أكثروا الشّجاج في رأسه، ثم أخذوه و ما كادوا يقدرون على أخذه، فوضعوا في رجله أدهم [٩]، ثم جاءوا به و هو معروض على بعير حتى انتهوا به إلى الوقبى فدفعوه إلى الجلّاني و لم يمت بعد، فقالوا [١٠]: انطلقوا به معكم إلى بلادكم و لا تحدثوا في أمره شيئا حتى تنظروا ما يصنع بصاحبكم، فإن مات فاقتلوه و إن حيي فأعلمونا حتى نحمل لكم أرش [١١] الجناية. فقال الجلّانيّون: وفت ذمّتكم يا بني جعدة، و جزاكم اللّه أفضل ما يجزي به خيار الجيران، إنّا نتخوّف أن ينزعه منّا قومكم إن خلّيتم عنّا و عنهم و هو في أيدينا؛ فقال لهم معاذ: فإني أحمله معكم و أشيّعكم حتى تردوا بلادكم، ففعلوا ذلك،
[١] كذا في أكثر النسخ. و في إحدى روايتي ط: «مهند». و في ح: «و هي جدة أبي السفاح و هي بنت عبد اللّه إلخ».
[٢] في ح: «فركبتها».
[٣] هذه الواو ساقطة من ب، س، ح.
[٤] الواعية: الصراخ على الميت.
[٥] نسل: أسرع في سيره.
[٦] قص أثره قصا و قصصا: تتبعه.
[٧] الترسة: جمع ترس، و هو صفيحة من الفولاذ مستديرة تحمل للوقاية من السيف.
[٨] ما ناظرنا بك القتل: ما أخرناه. و لم نجد هذه الصيغة بهذا المعنى في كتب اللغة التي بين أيدينا.
[٩] الأدهم: القيد.
[١٠] كذا في أكثر النسخ. و في ب، س، ح: «فقال».
[١١] الأرش: دية الجراحات.