الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٦ - صوت من المائة المختارة
من تسألن منذ اليوم؟ هذا الدارميّ السائل. ثم أنشدت:
إذا كنت لا بدّ مستطعما
فدع عنك من كان يستطعم
فولّى الدارميّ هاربا منهنّ و هنّ يتضاحكن به.
الدارمي و الأوقص القاضي:
أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ قال أخبرني أحمد بن أبي خيثمة قال حدّثنا مصعب الزبيريّ قال:
أتى الدارميّ الأوقص القاضي بمكّة في شيء فأبطأ عليه فيه، و حاكمه إليه خصم له في حقّ، فحبسه به حتى أدّاه إليه. فبينا الأوقص يوما في المسجد الحرام يصلّي و يدعو و يقول: يا ربّ أعتق رقبتي من النار، إذ قال له الدارميّ و الناس يسمعون: أولك رقبة تعتق! لا و اللّه ما جعل اللّه، و له الحمد، لك من عتق و لا رقبة! فقال له الأوقص: ويلك! و من أنت؟ قال: أنا الدارميّ، حبستني و قتلتني؛ قال: لا تقل ذلك و ائتني فإني أعوّضك؛ فأتاه ففعل ذلك به.
نادرة له مع عبد الصمد بن علي:
أخبرني الحرميّ أحمد بن محمد بن إسحاق قال حدّثني الزّبير بن بكّار قال حدّثني عمّي قال:
مدح الدارميّ عبد الصمد بن عليّ بقصيدة و استأذنه في الإنشاد فأذن له؛ فلما فرغ أدخل إليه رجل من الشّراة [١]؛ فقال لغلامه: أعط هذا مائة دينار و اضرب عنق/ هذا؛ فوثب الدارميّ فقال: بأبي أنت و أمي! برّك و عقوبتك جميعا نقد! فإن رأيت أن تبدأ بقتل هذا، فإذا فرغ منه أمرته فأعطاني! فإني لن أريم من حضرتك حتى يفعل ذلك؛ قال: و لم ويلك؟ قال: أخشى أن يغلط فيما بيننا، و الغلط في هذا لا يستقال؛ فضحك و أجابه إلى ما سأل.
نادرة له في مرضه:
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمّي قال:
أصابت الدارميّ قرحة في صدره، فدخل إليه بعض أصدقائه يعوده. فرآه قد نفث/ من فيه نفثا أخضر، فقال له: أبشر، قد اخضرّت القرحة و عوفيت؛ فقال: هيهات! و اللّه لو نفثت كلّ زمرّدة في الدنيا ما أفلتّ منها.
صوت من المائة المختارة
يا ربع سلمى لقد هيّجت لي طربا
زدت الفؤاد على علّاته وصبا
ربع تبدّل ممّن كان يسكنه
عفر الظّباء و ظلمانا به عصبا [٢]
الشعر لهلال بن الأسعر المازنيّ، أخبرني بذلك وكيع عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه. و هكذا هو في رواية عمرو بن أبي عمرو الشّيبانيّ. و من لا يعلم ينسبه إلى عمر ابن أبي ربيعة و إلى الحارث بن خالد و نصيب، و ليس
[١] الشراة: الخوارج، سموا بذلك لقولهم: «إننا شرينا أنفسنا في طاعة اللّه» أي بعناها بالجنة.
[٢] الظلمان (بالضم و الكسر): جمع ظليم و هو ذكر النعام. و العصب: الجماعات.