الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢١٥ - استقدمه الوليد بن يزيد من المدينة فغناه فطرب و ألقى نفسه في بركة خمر
قال: نعم؛ قال: فلا تظلمهم، فو اللّه ما أحسنوا منه شيئا قط! فضحك و خلّى سبيلهم.
استقدمه الوليد بن يزيد من المدينة فغناه فطرب و ألقى نفسه في بركة خمر:
أخبرني محمد بن مزيد و جحظة قالا حدّثنا حمّاد بن إسحاق قال قرأت على أبي عن محمد بن عبد الحميد بن إسماعيل بن عبد الحميد بن يحيى عن عمّه أيّوب بن إسماعيل قال:
لما استخلف الوليد بن يزيد كتب إلى عامله بالمدينة يأمره بالشخوص إليه بعطرّد المغنّي؛ قال عطرّد: فأقرأني العامل الكتاب و زوّدني نفقة و أشخصني إليه، فأدخلت عليه و هو جالس في قصره على شفير بركة مرصّصة مملوءة خمرا ليست بالكبيرة و لكنها يدور الرجل فيها سباحة، فو اللّه ما تركني أسلّم عليه حتى قال:/ أ عطرد؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين؛ قال: لقد كنت إليك مشتاقا يا أبا هارون. غنّني:
حيّ الحمول بجانب العزل
إذ لا يلائم شكلها شكلي
إني بحبلك واصل حبلي
و بريش نبلك رائش نبلي
و شمائلي ما قد علمت و ما
نبحت كلابك طارقا مثلي
قال: فغنّيته إيّاه، فو اللّه ما أتممته حتى شقّ حلّة وشى كانت عليه لا أدري كم قيمتها، فتجرّد/ منها كما ولدته أمّه و ألقاها نصفين، و رمى بنفسه في البركة فنهل منها حتى تبيّنت- علم اللّه- فيها أنها قد نقصت نقصانا بينا، و أخرج منها و هو كالميّت سكرا، فأضجع و غطّي، فأخذت الحلّة و قمت، فو اللّه ما قال لي أحد: دعها و لا خذها، فانصرفت إلى منزلي متعجّبا مما رأيت من ظرفه و فعله و طربه؛ فلما كان من غد جاءني رسوله في مثل الوقت فأحضرني، فلما دخلت عليه قال لي: يا عطرّد، قلت: لبّيك يا أمير المؤمنين؛ قال غنّني:
أ يذهب عمري هكذا لم أنل بها
مجالس تشفي قرح قلبي من الوجد
و قالوا تداو إنّ في الطّبّ راحة
فعلّلت نفسي بالدواء فلم يجد
فغنّيته إيّاه، فشقّ حلّة وشى كانت تلتمع عليه بالذهب التماعا احتقرت و اللّه الأولى عندها، ثم ألقى نفسه في البركة فنهل فيها حتى تبيّنت- علم اللّه- نقصانها، و أخرج [منها] [١] كالميّت سكرا، و ألقي و غطّي فنام، و أخذت الحلّة فو اللّه ما قال لي أحد: دعها و لا خذها، و انصرفت؛ فلما كان اليوم الثالث جاءني رسوله فدخلت إليه و هو في بهو قد ألقيت ستوره، فكلّمني من وراء الستور و قال: يا عطرّد/، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين؛ قال: كأني بك الآن قد أتيت المدينة فقمت بي في مجلسها و محفلها و قعدت و قلت: دعاني أمير المؤمنين فدخلت إليه فاقترح عليّ فغنّيته و أطربته فشقّ ثيابه و أخذت سلبه و فعل و فعل، و اللّه يا ابن الزانية، لئن تحرّكت شفتاك بشيء مما جرى فبلغني لأضربنّ عنقك، يا غلام أعطه ألف دينار، خذها و انصرف إلى المدينة؛ فقلت: إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في تقبيل يده، و يزوّدني نظرة منه و أغنّيه صوتا! فقال: لا حاجة بي و لا بك إلى ذلك، فانصرف. قال عطرّد:
فخرجت من عنده و ما علم اللّه أني ذكرت شيئا مما جرى حتى مضت من دولة بني هاشم مدّة.
[١] الزيادة عن ء.