الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٩٥ - دور معاوية بمكة
قطعت بها أجواز [١] كلّ تنوفة
مخوف رداها كلّما استنّ [٢] مورها
ترى ضعفاء القوم فيها كأنهم
دعاميص [٣] ماء نشّ [٤] عنها غديرها
قال: فقلت له إني لأروي هذا الشعر و ما أعرف هذه الأبيات فيه، فقال: هكذا رويتها عن عبد اللّه بن جعفر، قال: و إذا هو نافع الخير مولى عبد اللّه بن جعفر.
الغناء في هذين اللحنين لابن مسجح و لم أجد لهما طريقة في شيء من الكتب التي مرّت. و ذكر حبش أن في أبيات كعب بن جعيل لإبراهيم خفيف رمل بالوسطى.
دور معاوية بمكة:
حدّثني جعفر بن قدامة بن زياد الكاتب و عمّي و حبيب بن نصر المهلّبيّ قالوا حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني عبد اللّه بن محمد بن موسى الهاشميّ قال حدّثني أحمد بن موسى بن حمزة بن عمارة بن صفوان الجمحيّ عن أبيه قال:
/ أوّل من نقل الغناء الفارسيّ من الفارسيّ إلى الغناء العربيّ سعيد بن مسجح مولى بني مخزوم. قال: و قد يختلف في ولائه إلا أن الأغلب عليه ولاء بني مخزوم، و ذلك أنّ معاوية بن أبي سفيان لما بنى دوره التي يقال لها:
«الرّقط» [٥]- و هي ما بين الدارين إلى الرّدم [٦]: أوّلها الدار البيضاء و آخرها دار الحمّام، و هي على يسار المصعد من المسجد إلى «ردم عمر»- حمل [٧] لها بنّاءين فرسا من العراق فكانوا يبنونها بالجصّ و الآجر، و كان سعيد بن مسجح يأتيهم فيسمع من غنائهم على بنيانهم، فما استحسن من ألحانهم أخذه و نقله إلى الشعر العربيّ، ثم صاغ على نحو ذلك؛ و هو الذي علّم الغريض، فكان من قديم غنائه الذي صنعه على تلك الأغاني:
صوت
أ سلام إنّك قد ملكت فأسجحي [٨]
قد يملك الحرّ الكريم فيسجح
منّي على عان أطلت عناءه
في الغلّ عندك و العناة تسرّح
إنّي لأنصحكم و أعلم أنه
سيّان عندك من يغشّ و ينصح
[١] الأجواز: جمع جوز و هو وسط الشيء و معظمه، يقال: قطعوا جوز الفلاة و أجواز الفلا، و التنوفة: الفلاة التي لا ماء بها.
[٢] استن: هاج و ثار من استن الفرس في المضمار إذا جرى في نشاطه على سنن؛ و المور: الغبار تثيره الرياح.
[٣] الدعاميص: دود أسود يكون في الغدران إذا نشّت، أو هو دود له رأسان يرى في الماء إذا قل.
[٤] نش الغدير: يبس ماؤه و نضب.
[٥] كذا في جميع الأصول، و قد تعرّض الأزرقيّ في «تاريخ مكة» لدور معاوية و ذكر أنّ من بينها دارا تسمّى «الرقطاء» و سميت بذلك لأنها بنيت بالآجرّ الأحمر و الجصّ الأبيض، و منها «الدار البيضاء» و سمّيت بذلك لأنها بنيت بالجصّ ثم طليت به و كانت كلّها بيضاء، ثم ذكر بقيّة الدور بأسمائها و لم يذكر أنّ هناك دورا تسمّى الرقط (انظره في صفحتي ٤٤٩ و ٤٥٠) طبع ليبسك.
[٦] يريد به ردم عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه و قد ذكر في «تاريخ مكة» (ص ٤٥٠) و لم يذكر ياقوت في «معجمه» إلا ردم بني جمح بن عمرو.
[٧] كذا في ح. و في أ، م: «فحمل» بالفاء و في سائر النسخ: «فجعل» و لا موقع للفاء في سياق الكلام.
[٨] الإسجاح: حسن العفو، و منه المثل السائر في العفو عند المقدرة «ملكت فأسجح» و هو مرويّ عن عائشة قالته لعلي رضي اللّه عنهما يوم الجمل حين ظهر على الناس فدنا من هودجها ثم كلمهما بكلام، فأجابته: «ملكت فأسجح» أي ظفرت فأحسن و قدرت فسهل.