الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٩٠ - غزوة بني عامر و ما قاله الحادرة فيها من الشعر
أن جيشا لبني عامر بن صعصعة أقبل و عليهم ثلاثة رؤساء: ذؤاب بن غالب من عقيل ثم من بني كعب بن ربيعة، و عبد اللّه بن عمرو من بني الصّموت، و عقيل بن مالك من بني نمير [١]، و هم يريدون غزو بني ثعلبة بن سعد رهط الحادرة/ و من معهم من محارب، و كانوا يومئذ معهم، فنذرت [٢] بهم بنو ثعلبة، فركب قيس بن مالك المحاربيّ الخصفيّ و جؤيّة بن نصر الجرميّ أحد بني ثعلبة للنظر إلى القوم، فلما دنوا منهم عرف عقيل بن مالك النميريّ [٣] جؤيّة بن نصر الجرميّ، فناداه: إليّ يا جؤيّة بن نصر فإنّ لي خبرا أسرّه إليك؛ فقال: إليك أقبلت لكن لغير ما ظننت، فقال له: ما فعلت قلوص؟- يعني امرأته-؛ فقال: هي في الظّعن أسرّ ما كانت قطّ و أجمله؛ ثم حمل كلّ واحد منهما على صاحبه و اختلفا طعنتين [٤] فطعنه جؤيّة طعنة دقّت صلبه، و انطلق قيس بن مالك المحاربيّ إلى بني ثعلبة فأنذرهم، فاقتتلوا قتالا شديدا، فهزمت بنو نمير و سائر بني عامر و مات عقيل النّميري و قتل ذؤاب بن غالب و عبد اللّه بن عمرو أحد بني الصّموت؛ فقال الحادرة في ذلك:
كأنّ عقيلا في الضّحى حلّقت به
و طارت به في الجوّ عنقاء مغرب [٥]
و يروى: «و طارت به في اللّوح»، و هو الهواء.
و ذي كرم يدعوكم آل عامر
لدى معرك سرباله يتصبّب
رأت عامر وقع السيوف فأسلموا
أخاهم و لم يعطف من الخيل مرهب
و سلّم لمّا أن رأى الموت عامر
له مركب فوق الأسنّة أحدب
/ إذا ما أظلّته عوالي رماحنا
تدلّى به نهد [٦] الجزارة منهب [٧]
على صلويه [٨] مرهفات كأنها
قوادم نسر بزّ عنهنّ منكب
قال: و في هذه الوقعة يقول خداش بن زهير:
أيا أخوينا من أبينا و أمّنا
إليكم إليكم لا سبيل إلى جسر
/ جسر: قبيلة من محارب. قال: و هذا اليوم يعرف بيوم شواحط، قبيلة من محارب [٩].
[١] كذا في نسخة الشيخ الشنقيطي طبع بولاق مصححة بقلمه، و يؤيده ما يأتي في سياق الخبر من نسبة عقيل إلى بني نمير و لأن الظاهر من الخبر أن الرؤساء الثلاثة من بني عامر بن صعصعة، و نمير من بني عامر بن صعصعة ككعب بن ربيعة، و عامر بن صعصعة من قبائل قيس، و لا صلة لها بتميم. و في جميع الأصول: «تميم».
[٢] نذر بالشيء (كفرح): علمه.
[٣] في ب، س، م: «النمريّ» و هو تحريف.
[٤] أي اختلفت طعنتاهما فكانت إحدى الطعنتين في إثر الأخرى.
[٥] يقال: عنقاء مغرب على النعت و عنقاء مغرب على الإضافة. و العنقاء: طائر معروف الاسم مجهول الجسم؛ و العرب إذا أخبرت عن هلاك شيء قالت: حلّقت به في الجوّ عنقاء مغرب.
[٦] نهد الجزارة: ضخمها، و الجزارة في الأصل: أطراف الجزور و هي اليدان و الرجلان و الرأس؛ و المراد هنا أطراف فرس، و إذا قالوا:
«فرس ضخم الجزارة» فإنما يراد غلظ اليدين و الرجلين و كثرة عصبها، و لا يدخل الرأس في هذا لأن عظم الرأس هجنة في الخيل.
[٧] المنهب: الفرس الفائق في العدو.
[٨] الصلا: وسط الظهر من الناس و من كل ذي أربع و ما انحدر من الوركين، و قيل: الفرجة بين الجاعرة و الذنب، و قيل: ما عن يمين الذئب و شماله، و هما «صلوان» و الجمع: صلوات و أصلاء.
[٩] هذه الكلمة (قبيلة من محارب) وردت هكذا في جميع الأصول، و الظاهر أنها من زيادات النساخ لأن شواحطا جبل مشهور بين مكة و المدينة و هو الجبل الذي أغارت به سرية من بني عامر على إبل لبني محارب (انظر «معجم ياقوت» و «معجم ما استعجم» للبكري