الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٨١ - زارته نعيم و غنته ثم ذهبت فقال شعرا في ذلك
/
سقيا لمجلسنا الذي كنّا به
يوم الخميس جماعة أترابا
في غرفة مطرت سماوة [١] سقفها
بحيا النعيم من الكروم شرابا
إذ نحن نسقاها شمولا قرقفا
تدع الصحيح بعقله مرتابا
حمراء مثل دم الغزال و تارة
بعد المزاج تخالها زريابا
من كفّ جارية كأنّ بنانها
من فضّة قد قمّعت عنّابا
تزداد حسنا كأسها من كفّها
و يطيب منها نشرها أحقابا
و إذا المزاج علا فشجّ جبينها
نفثت [٢] بألسنة المزاج حبابا
و تخال ما جمعت فأحدق سمطه
بالطّوق ريق حبائب و رضابا
كفت المناصف [٣] أن تذبّ أكفّها
عنها إذا جعلت تفوح ذبابا
و العود متّبع غناء خريدة
غردا يقول كما تقول صوابا
و كأنّ يمناها إذا نطقت به
تلقي على يدها الشّمال حسابا
فهناك خفّ [٤] بنا النعيم و صار من
دون الثقيل لنا عليه حجابا
/ اليت لا ألحي على طلب الهوى
متلذّذا حتى أكون ترابا
اشترى نعيم بغداديّ و سافر بها فأسف و قال شعرا:
قال: ثم قدم قادم من أهل بغداد فاشترى نعيم هذه من مولاتها و رحل إلى بغداد، فعظم أسف عكّاشة و حزنه عليها و استهيم بها طول عمره، فاستحالت صورته و طبعه و خلقه إلى أن فرّق الدهر بيننا، فكان أكثر وكده [٥] و شغله أن يقول فيها الشعر و ينوح به عليها و يبكي؛ قال حميد بن سعيد فأنشدني أبي له في ذلك:
/
ألا ليت شعري هل يعودنّ ما مضى
و هل راجع ما مات من صلة الحبل
و هل أجلسن في مثل مجلسنا الذي
نعمنا به يوم السعادة بالوصل
عشيّة صبّت لذّة الوصل ظيبها
علينا و أفنان الجنان جنى البذل
و قد دار ساقينا بكأس رويّة
ترحّل أحزان الكئيب مع العقل
و شجّ شمولا بالمزاج فطيّرت
كألسنة الحيّات خافت من القتل
فبتنا و عين الكأس سحّ دموعها
لكلّ فتى يهتزّ للمجد كالنّصل
[١] السماوة: السماء و هي كل ما علاك فأظلك.
[٢] في أكثر النسخ: «نفشت» و في بعضها: «نقشت» و ظاهر أن كليهما محرف عما أثبتناه.
[٣] المناصف: جمع منصف (بكسر الميم و قد تفتح، و الأنثى منصفة) و هو الخادم.
[٤] في ح: «حف» بالحاء المهملة.
[٥] الوكد: الهم و القصد.