الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٤٦ - ذم بني سدوس باستعانة بني عقيل
و في قوله في صفة سفينة:
تلاعب نينان البحور و ربّما
رأيت نفوس القوم من جريها تجري
و قال: لم يسمع من الوجل و الغزل فعلى، و لم أسمع بنون و نينان [١]؛ فبلغ ذلك بشّارا فقال: ويلي على القصّارين [٢]! متى كانت الفصاحة في بيوت القصارين! دعوني و إيّاه؛ فبلغ ذلك الأخفش فبكى و جزع؛ فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: و ما لي لا أبكي/ و قد وقعت في لسان بشّار الأعمى! فذهب أصحابه إلى بشار فكذّبوا عنه و استوهبوا منه عرضه و سألوه ألّا يهجوه؛ فقال: قد وهبته للؤم عرضه. فكان الأخفش بعد ذلك يحتجّ بشعره في كتبه ليبلغه؛ فكفّ عن ذكره بعد هذا.
قال: و قال غير أبي حاتم: إنما بلغه أنّ سيبويه عاب هذه الأحرف [٣] عليه لا الأخفش، فقال يهجوه:
أ سبويه يا ابن الفارسيّة ما الذي
تحدّثت عن شتمي و ما كنت تنبذ
أظلت تغنّي سادرا [٤] في مساءتي
و أمّك بالمصرين تعطي و تأخذ
قال: فتوقّاه سيبويه بعد ذلك، و كان إذا سئل عن شيء فأجاب عنه و وجد له شاهدا من شعر بشّار احتجّ به استكفافا لشرّه.
ذمّ بني سدوس باستعانة بني عقيل:
أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ قال حدّثني الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثني أحمد بن عليّ بن سويد بن منجوف قال:
كان بشّار مجاورا لبني عقيل و بني سدوس في منزل الحيّين، فكانوا لا يزالون يتفاخرون، فاستعانت عقيل ببشّار و قالوا: له: يا أبا معاذ، نحن أهلك و أنت ابننا و ربيت في حجورنا فأعنّا؛ فخرج عليهم و هم يتفاخرون، فجلس ثم أنشد:
كأنّ بني سدوس رهط ثور
خنافس تحت منكسر الجدار
تحرّك للفخار زبانييها [٥]
و فخر الخنفساء من الصّغار
فوثب بنو سدوس إليه فقالوا: ما لنا و لك يا هذا! نعوذ باللّه من شرّك! فقال: هذا دأبكم إن عاودتم مفاخرة بني عقيل؛ فلم يعاودوها.
/ أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني محمد بن إسماعيل عن محمد بن سلّام قال: قال يونس النحويّ: العجب من الأزد يدعون هذا العبد ينسب بنسائهم و يهجو رجالهم- يعني بشّارا- و يقول:
[١] ورد هذا الجمع في كتب اللغة، فقد جاء في «لسان العرب» و «القاموس» و غيرهما في مادة «نون»: النون: الحوت و الجمع أنوان و نينان.
[٢] القصار: من يحوّر الثياب و يدقها.
[٣] الأحرف: الكلمات.
[٤] السادر: المتحير، و الذي يتكلم غير متثبت في كلامه، و قيل: هو اللاهي الذي لا يهتم لشيء و لا يبالي ما صنع.
[٥] كذا في ح، أ، م: تثنية زباني، و زبانيا العقرب: قرناها. و في ب، س: «زبانتيها» و هو تصحيف.