الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٤٥ - عاب الأخفش شعره ثم صار بعد ذلك يستشهد به لما بلغه أنه هم بهجوه
الصدر متبرّما بالناس، فكان يقول: اللهمّ إني [١] قد تبرّمت بنفسي و بالناس جميعا، اللهم فأرحني منهم. و كان إخوته يستعيرون ثيابه فيوسّخونها و ينتنون ريحها، فاتخذ قميصا له جيبان و حلف ألّا يعيرهم ثوبا من ثيابه، فكانوا يأخذونها بغير إذنه؛ فإذا دعا بثوبه فلبسه فأنكر رائحته فيقول [٢] إذا وجد رائحة كريهة من ثوبه: «أينما أتوجّه ألق سعدا» [٣]. فإذا أعياه الأمر خرج إلى الناس في تلك الثياب على نتنها و وسخها، فيقال له: ما هذا يا أبا معاذ؟
فيقول: هذه ثمرة صلة الرّحم. قال: و كان يقول الشّعر و هو صغير، فإذا هجا قوما جاءوا إلى أبيه فشكوه فيضربه ضربا شديدا، فكانت أمّه تقول: كم تضرب هذا الصبيّ الضرير، أ ما ترحمه! فيقول: بلى و اللّه إني لأرحمه و لكنه يتعرّض للناس فيشكونه إليّ؛ فسمعه بشّار فطمع فيه فقال له: يا أبت إنّ هذا الذي يشكونه منّي إليك هو قول الشعر، و إني إن ألممت عليه أغنيتك و سائر أهلي، فإن شكوني إليك فقل لهم: أ ليس اللّه يقول: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ)* [٤]. فلما عاودوه شكواه قال لهم برد ما قاله بشّار؛ فانصرفوا و هم يقولون: فقه برد أغيظ لنا من شعر بشّار.
أعطاه فتى مائتي دينار لشعره في مطاولة النساء:
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني محمد بن عثمان الكريزيّ قال حدّثني بعض الشعراء قال:
/ أتيت بشّارا الأعمى و بين يديه مائتا دينار [٥]، فقال لي: خذ منها ما شئت، أو تدري ما سببها؟ قلت: لا؛ قال: جاءني فتى فقال لي: أنت بشّار؟ فقلت: نعم؛ فقال: إني آليت أن أدفع إليك مائتي دينار و ذلك أني عشقت امرأة فجئت إليها فكلّمتها فلم تلتفت إليّ، فهممت أن أتركها فذكرت قولك:
لا يؤيسنّك من مخبّأة
قول تغلّظه و إن جرحا
عسر النّساء إلى مياسرة
و الصّعب يمكن بعد ما جمحا
/ فعدت إليها فلازمتها حتى بلغت منها حاجتي.
عاب الأخفش شعره ثم صار بعد ذلك يستشهد به لما بلغه أنه همّ بهجوه:
أخبرني عمّي قال حدّثني الكرانيّ عن أبي حاتم قال:
كان الأخفش طعن على بشّار في قوله:
فالآن أقصر عن سميّة باطلي
و أشار بالوجلى عليّ مشير
و في قوله:
على الغزلى منّي السّلام فربّما
لهوت بها في ظلّ مرءومة [٦] زهر
[١] كذا في ح و في باقي الأصول: «إني كنت قد تبرمت».
[٢] كذا بالأصول و اقتران جواب الشرط الصالح للشرطيّة بالفاء خلاف الأصل (انظر «شرح الأشموني» ج ٣ ص ٦٠ طبع بولاق).
[٣] هذا مثل يضرب لمن يلقى سوء المعاشرة في كلّ مكان، و أصله أن الأشموني بن قريع كان سيّد قومه فرأى منهم جفوة فرحل عنهم إلى آخرين فرآهم يصنعون بساداتهم مثل ذلك فقال هذا القول.
[٤] سورة النور آية: ٦١.
[٥] في ء، أ، م: «مائتا درهم»، و كذا فيما يأتي.
[٦] مرءومة: محبوبة مألوفة.