الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٣٣ - قيل له إن فلانا سبك عند الأمير فهجاه
قالا: بلغنا أنك أكثرت فيها من الغريب؛ فقال: نعم، بلغني أنّ سلما يتباصر [١] بالغريب فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرفه؛ قالا: فأنشدناها، فأنشدهما:
بكّرا صاحبيّ قبل الهجير
إنّ ذاك النجاح في التّبكير
حتى فرغ منها؛ فقال له خلف: لو قلت يا أبا معاذ مكان «إن ذاك النجاح»:
بكّرا فالنجاح في/ التبكير
كان أحسن؛ فقال بشّار: بنيتها أعرابيّة و حشيّة، فقلت: «إنّ ذاك النجاح» كما يقول الأعراب البدويّون، و لو قلت: «بكّرا فالنجاح» كان هذا من كلام المولّدين و لا يشبه ذلك الكلام و لا يدخل في معنى القصيدة؛ فقام خلف فقبّل بين عينيه؛ و قال له خلف بن أبي عمرو يمازحه: لو كان علاثة [٢] ولدك يا أبا معاذ لفعلت كما فعل أخي، و لكنّك مولى، فمدّ بشار يده فضرب بها فخذ خلف و قال:
أرفق بعمرو إذا حرّكت نسبته
فإنه عربيّ من قوارير
فقال له: أ فعلتها يا أبا معاذ! قال: و كان أبو عمرو يغمز في نسبه.
و أخبرني ببعض هذا الخبر حبيب بن نصر عن عمر بن شبّة عن أبي عبيدة، فذكر نحوه و قال فيه: إنّ سلما يعجبه الغريب.
قيل له إن فلانا سبك عند الأمير فهجاه:
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا عيسى بن إسماعيل تينة قال قال حدّثنا محمد بن سلّام قال قال لي خلف:
كنت أسمع ببشّار قبل أن أراه، فذكروه لي يوما و ذكروا بيانه و سرعة جوابه و جودة شعره، فاستنشدتهم شيئا من شعره، فأنشدوني شيئا لم يكن بالمحمود عندي، فقلت: و اللّه لآتينّه و لأطأطئنّ منه، فأتيته و هو جالس على بابه، فرأيته [٣] أعمى قبيح المنظر عظيم الجثة، فقلت: لعن اللّه من يبالي بهذا، فوقفت أتأمّله طويلا، فبينما أنا كذلك إذ جاءه رجل فقال: إنّ فلانا سبّك عند الأمير محمد بن سليمان و وضع منك؛ فقال: أو قد فعل؟ قال: نعم؛ فأطرق، و جلس الرجل عنده و جلست، و جاء قوم فسلّموا عليه فلم يردد عليهم، فجعلوا ينظرون إليه و قد درّت [٤] أوداجه، فلم يلبث إلا ساعة حتى أنشدنا بأعلى صوته و أفخمه:
نبّئت نائك أمّه يغتابني
عند الأمير و هل عليّ أمير
ناري محرّقة و بيتي واسع
للمعتفين و مجلسي معمور
و لي المهابة في الأحبّة و العدا
و كأنني أسد له تامور [٥]
[١] يتباصر بالغريب: يظهر أنه بصير به.
[٢] يريد أنه لو كان عربيا لقبله كما يدل على ذلك السياق. و يظهر أنه لا يريد بعلاثة اسما بعينه. و لكنه أتى بهذا الاسم لأنه خاص بالعرب.
[٣] في أ، م، ء: «فرأيت».
[٤] درت: امتلأت دما؛ و الأوداج: جمع ودج و هو عرق في العنق يقطعه الذابح فلا تبقى معه حياة.
[٥] التامور: عرين الأسد.