الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٢٧ - نهي المهدي له عن التشبيب بالنساء و سبب ذلك
و إلا فمتّ إذا ضائعا
و عذّبني اللّه في ميتتي
فمن نال خيرا على قبلة
فلا بارك اللّه في قبلتي
كتب شعرا على باب عقبة يستنجزه وعده:
أخبرنا هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا الرّياشيّ عن الأصمعيّ قال:
لما أنشد بشّار أرجوزته:
يا طلل الحيّ بذات الصّمد
أبا الملدّ [١] عقبة بن سلّم أمر له بخمسين ألف درهم، فأخّرها عنه وكيله ثلاثة أيام، فأمر غلامه بشّار أن يكتب على باب عقبة عن يمين الباب:
ما زال ما منّيتني من همّي
و الوعد غمّ فأزح من غمّي
إن لم ترد حمدي فراقب ذمّي
فلما خرج عقبة رأى ذلك، فقال: هذه من فعلات بشّار، ثم دعا بالقهرمان [٢]، فقال: هل حملت/ إلى بشّار ما أمرت له به؟ فقال: أيها الأمير نحن مضيقون [٣] و غدا أحملها إليه؛ فقال: زد فيها عشرة آلاف درهم و احملها إليه الساعة؛ فحملها من وقته.
نهي المهدي له عن التشبيب بالنساء و سبب ذلك:
أخبرني هاشم قال حدّثنا أبو غسّان دماذ قال:
سألت أبا عبيدة عن السبب الذي من أجله نهى المهديّ بشّارا عن ذكر النساء قال: كان أوّل ذلك استهتار نساء البصرة و شبّانها بشعره، حتى قال سوّار بن عبد اللّه الأكبر و مالك بن دينار؛ ما شيء أدعى لأهل هذه المدينة إلى الفسق من أشعار هذا الأعمى؛ و ما زالا يعظانه؛ و كان واصل بن عطاء يقول: إنّ من أخدع حبائل الشيطان و أغواها لكلمات هذا الأعمى الملحد. فلما كثر ذلك و انتهى خبره من وجوه كثيرة إلى المهديّ، و أنشد المهديّ ما مدحه به، نهاه عن ذكر النساء و قول التشبيب، و كان المهديّ من أشدّ الناس غيرة؛ قال: فقلت له: ما أحسب شعر/ هذا أبلغ في هذه المعاني من شعر كثيّر و جميل و عروة بن حزام و قيس بن ذريح و تلك الطبقة؛ فقال: ليس كلّ من يسمع تلك الأشعار يعرف المراد منها، و بشّار يقارب النساء حتى لا يخفى عليهنّ ما يقول و ما يريد، و أيّ حرّة حصان تسمع قول بشّار فلا يؤثّر في قلبها، فكيف بالمرأة الغزلة و الفتاة التي لا همّ لها إلا الرجال! ثم أنشد قوله:
قد لامني في خليلتي عمر
و اللّوم في غير كنهه ضجر [٤]
قال أفق قلت لا فقال بلى
قد شاع في الناس منكما الخبر
[١] هكذا وردت هذه الكنية لعقبة المذكور في هذه الأرجوزة فيما تقدّم قريبا ص ١٧٦. و في أ، م: «أبا المتلد» و هو تحريف. و في ب، س: «أبا الملك».
[٢] القهرمان: الوكيل أو أمين الدخل و الخرج.
[٣] مضيقون: ضيقو الحال.
[٤] في ح: «ضرر».