الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١١٨ - حديثه مع نسوة أتينه يأخذن شعره لينحن به
كان دقيق الحس:
أخبرنا محمد بن عليّ قال حدّثني أبي قال حدّثني عافية بن شبيب عن أبي دهمان الغلابيّ [١]، قال:
مررت ببشّار يوما و هو جالس على بابه وحده و ليس معه خلق و بيده مخصرة [٢] يلعب بها و قدّامه طبق فيه تفّاح و أترجّ [٣]، فلما رأيته و ليس عنده أحد تاقت نفسي/ إلى أن أسرق ما بين يديه، فجئت قليلا قليلا و هو كافّ [يده] [٤] حتى مددت يدي لأتناول منه، فرفع القضيب و ضرب به يدي ضربة كاد يكسرها، فقلت [له] [١]: قطع اللّه يدك يا ابن الفاعلة، أنت الآن أعمى! فقال: يا أحمق، فأين الحسّ!.
حديثه مع نسوة أتينه يأخذن شعره لينحن به:
أخبرني يحيى بن عليّ قال حدّثني العنزيّ قال حدّثني خالد بن يزيد بن وهب بن جرير عن أبيه قال:
كان لبشّار في داره مجلسان: مجلس يجلس فيه بالغداة يسمّيه «البردان» و مجلس يجلس فيه بالعشيّ اسمه «الرّقيق»، فأصبح ذات يوم فاحتجم و قال لغلامه: أمسك عليّ بابي و اطبخ لي من طيّب طعامي و صفّ نبيذي؛ قال:
فإنه لكذلك إذ قرع الباب قرعا عنيفا؛ فقال: ويحك يا غلام! انظر من يدقّ الباب دقّ الشّرط؛ قال: فنظر الغلام، فقال له: نسوة خمس بالباب يسألن أن تقول لهنّ شعرا ينحن به؛ فقال: أدخلهنّ، فلمّا دخلن نظرن إلى النبيذ مصفّى في قنانيّه/ في جانب بيته؛ قال: فقالت واحدة منهنّ: هو خمر، و قالت الأخرى: هو زبيب و عسل، و قالت الثالثة: نقيع زبيب؛ فقال: لست بقائل لكنّ حرفا أو تطعمن من طعامي و تشربن من شرابي؛ قال: فتماسكن ساعة، ثم قالت واحدة منهنّ: ما عليكنّ! هو أعمى فكلن [من] [٥] طعامه و اشربن من شرابه و خذن شعره؛ فبلغ ذلك الحسن البصريّ فعابه و هتف ببشّار؛ فبلغه ذلك- و كان بشّار يسمّي الحسن البصريّ القسّ- فقال:
لما طلعن من الرّقي
ق عليّ بالبردان خمسا
و كأنهنّ أهلّة
تحت الثياب زففن شمسا
باكرن عطر لطيمة [٦]
و غمسن في الجاديّ [٧] غمسا
صوت
لمّا طلعن حففنها
و أصخن ما يهمسن همسا
فسألنني من في البيو
ت فقلت ما يؤوين إنسا
ليت العيون الطارفا [٨]
ت طمسن عنّا اليوم طمسا
[١] كذا في أكثر النسخ و هو الصواب، و في ب، س: «الغلال» و هو تحريف.
[٢] المخصرة: ما اختصر الإنسان بيده فأمسكه من عصا أو قضيب، و قيل المخصرة: شيء يأخذه الرجل بيده ليتوكأ عليه.
[٣] الأترج: ثمر شجر بستانيّ من جنس الليمون ناعم الورق و الحطب.
[٤] الزيادة عن «معاهد التنصيص شرح شواهد التلخيص» ص ١٣٣ طبع بولاق.
[٥] زيادة في ح.
[٦] اللطيمة: نافجة المسك.
[٧] الجاديّ: الزعفران.
[٨] في جميع الأصول: «الطارقات» بالقاف، و هو تحريف.