تاريخ الحديث النّبوي - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١٧٨
ومثله قرار الحاكم لمن حكم عليه بالتعزير في المحاكم الشرعيّة، فلا يصحّ قتله بدعوى إصلاحه، فالتعزير قُرّر في الشرع لإصلاح الناس وتأديبهم، ثمّ إعدادهم مرّة أُخرى لمواصلة السير إلى الله، فلو قتل أحدٌ شخصاً بدعوى إصلاحه فلا يقبل منه هذا، لأنّها دعوى فارغة..
فالقتل والحرق يعني الإبادة وحرمان الاستفادة، وأمّا التثبت والاصلاح فهو الاستفادة، وقد مرّ عليك كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمن سمعهم يتحدّثون عنه، ثمّ تركُهُم للحديث، وقوله (صلى الله عليه وآله) لهم: إني لم أُرد ذلك، إنما أردت من تعمّد ذلك ; فتحدّثنا.
فالخليفة وبعمله (الإحراق) وبقوله: "لا تحدّثوا" كان يريد المنع المطلق للحديث، لقوله: "فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله".
ويؤيّد هذا مواقفه الاُخرى في تثبيت الرأي، فالرأي لا يوافق التعبّد بالنصّ وإن علّل اللاحقون المنع والحرق باسم التثبّت والتحرّي والاحتياط وما إلى ذلك، حتّى رأينا بعضهم ينكر تبرّعاً صدور هكذا نصوص عن الخليفة! لأنّها لا تتلاءم مع مكانتهم ومواقفهم.
ثمّ إنّ اتّحاذ هذين الموقفين من الشيخين، وتبنّيهم لسياسة الرأي في الأحكام، جعلتنا نشكّك في نسبة أحاديث المنع إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، خصوصاً بعدما ثبت لنا أنّهما لم يستشهدا بمنع رسول الله (صلى الله عليه وآله) للحديث، بل أوضحنا في ما تقدّم ثبوت