نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٩٩ - ١٥٥ أبو الفرج الببغاء ينشئ نسخة كتاب على لسان الأمير سيف الدولة بشأن الفداء
و ندبنا أكابر الغلمان، و ثقاة الخدم، لتسييرهم بأعمّ رأفة و أتمّ رفق، حسب ما أمرنا به من ترفيه السبي، و مراعاة الأسرى، إلى أن عبرنا بجميعهم من الفرات، بحيث سألنا صاحبهم الانجذاب إليه، و رغب إلينا في النزول عليه، تأنّسا بمجاورة الدروب المستصعبة، و حذرا من مفارقة الجبال المستعصمة.
فلما اقتضى قربنا سرعة المسير، و تنجّزه دنوّنا لإمضاء الأمر بعد التقرير.
أقدم مرتابا بإقدامه، و سار متّهما عواقب رأيه و اعتزامه، بجموع يفرّق الجزع آراءها، و قلوب يشتت الخوف أهواءها، و أفكار مكدودة بالوجل، و منن [١] مستعبدة لأوامر الفشل، يحسبون كل صيحة عليهم، هم العدوّ فاحذرهم، إلى أن حلّ بفنائنا ملقيا مقاليد أمره[١٧١ ب]إلى الاستسلام، و آخذا من وفائنا بأوكد ذمام.
و افتتحنا الفداء يوم السبت غرّة رجب الذي هو غرّة الأشهر الحرم، و قد عرّف اللّه تعالى المسلمين ما استودعناه من صالح الأعمال، و زكيّ الأفعال، و تعجّل البركات، و تناصر الخيرات، فاستمرّ بأكمل هدي، و أنجح سعي، و أبسط قدرة، و أعمّ نصرة، و أعزّ سلطان، و أوضح برهان، و كلمة اللّه العليا، و كلمة الذين كفروا هي السفلى، و اللّه عزيز حكيم.
و لم تزل الحال في ذلك جارية على أحكم نظام، و أحسن التئام، إلى أن استنقذ اللّه بنا من كاد تطاول الأسر يستغويه، و الإياس من الخلاص أن يرديه، و هم على أفضل ما عهدناهم عليه من حسن اليقين، و التمسّك بعصم الدين.
و سار عنّا من فاديناه من البطارقة المذكورين، و الزراورة المشهورين، بأجسام ضاعنة، و قلوب قاطنة، تتلفّت إلى ما خلّفته من غامر تفضّلنا، و ألفته من ألطاف تطوّلنا.
[١] المنن: مفردها منة: القوة.