نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٨٤ - ٣٦ القاضي أبو عمر و حسن تصرّفه و وفور عقله
بعض أصحابه، و دفع إليه تخوت ثياب فاخرة، و طيبا، و أشياء قيمتها خمسمائة دينار، و أمره بحملها إلى خادم كان رئيس أولئك الخدم الذين سبّوه غدوة.
و قال له: أقره السلام، و قل له كنت راسلتني في أن أحكم لفلان بشيء، لم تجز إجابتك إليه، لأنّه لم يكن مذهبي، و لا ممّا يجوز عندي في الحكم، و لو عرضت على السيف لم أجب إلى محال في حكم، فرددتك.
فكان منك بالأمس ما لم يرض اللّه به، و لا قدح في شيء من أمرنا، و لكنّي استدللت به على عتبك، و وقع لي أنّ الرجل كان وعدك بشيء ساءك فوته، و قد أنفذت إليك هذا-وضع الهدية بين يديه-و أحبّ أن تقبله، و تعذرني.
قال: فاغتظت منه، و قلت في نفسي: يؤدّي جزية، و يعطي مصانعة عن عرضه، أيّ رأي هذا؟ فمضى الرسول، و افترقنا، ما بدأني بشيء، و لا بدأته به.
فلما كان في الموكب الثاني، صحبته، فصعد من الطيّار، و جلست على رسمي، فإذا بأولئك الخدم، و عدّة أكثر منهم، و قد وقفوا له سماطين، يقولون: يا عفيف، يا نظيف، يا مأمون، يا ثقة، يا جمال الإسلام، يا تأريخ القضاة، و يدعون له، و يشكرونه، حتى صعد من الطيار. و خدموه أحسن خدمة، و هو ساكت على رسمه، إلى أن دخل الدار، ثم عند خروجه إلى أوّل ما نزل طيّاره.
فتحيّرت مما رأيتهم عليه من التضادّ في الدفعتين، مع قرب العهد.
فلما استقررنا في الطيّار، قال لنا أبو عمر: كأنّي بكم أنكرتم ما جرى منهم في ذاك الموكب، قلتم: لو شكاهم إلى الخليفة، فأمر بتأديبهم، أ ليس كذا وقع لكم؟