نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٣٥٢ - ١٨٧ عيار بغدادي يحتال على أهل حمص
الصلاة، و لا يذوق الطعام، فتحيّر أهل البلد في أمره.
و كان لا يخرج من الجامع إلاّ في الهاجرة، في كل يوم دفعة، حتى يمضي إلى تلك الميضأة، فيبول، و يعمد إلى تلك الآجرة، و قد عرفها، و عليها ذلك[١٨٨ ب]المعجون، و قد صار مستحيلا، و صورته صورة الغائط الناشف المستحيل، فمن يدخل و يخرج، لا يشك أنّه غائط، فيأكله، و يقيم أوده، و يرجع، فإذا تمسّح لصلاة العتمة في الليل، شرب كفايته من الماء.
و أهل حمص يظنون أنّه لا يذوق الماء و لا الطعام، و أنّه طاو طول تلك المدّة.
فعظم شأنه و محلّه عندهم، و قصدوه، و كلّموه، فلم يجب، و أحاطوا به، فلم يلتفت، و اجتهدوا في خطابه، فلزم لهم هذا الصمت و العمل.
فزاد محلّه عندهم، حتى إنّهم كانوا إذا خرج للطهور، جاءوا إلى موضعه فيتمسّحون به، و يأخذون التراب من موضع مشيه، و يحملون إليه المرضى فيمسح بيده عليهم.
فلمّا رأى أنّ منزلته قد بلغت إلى ذلك، و كان قد مضى على هذا الفعل سنة، اجتمع في الميضأة مع امرأته، و قال:
إذا كان يوم الجمعة، كما تصلي الناس [١] ، فتعالي، فاعلقي بي، و الطمي وجهي، و قولي لي: يا عدوّ اللّه يا فاسق، قتلت ابني ببغداد، و هربت إلى هاهنا، و جئت تتعبّد، و عبادتك مضروب بها وجهك.
و لا تفارقيني، و أظهري أنّك تريدين قتلي بابنك، فإن الناس يجتمعون عليك، و أمنعهم أنا من أذيّتك، و أعترف بأنّي قتلته، و تبت، و جئت إلى هاهنا، للعبادة و التوبة، و الندم على ما كان منّي.
[١] تعبير بغدادي يعني: عند ما يصلّي الناس.